تحميل

إبحث

وجوه وحكايات

أحمد قعبور…”لكل الناس”

Ahmed Kaabour

ليس أحمد قعبور أقلَّ شأنًا، من حيث الأثر الرمزي والوجداني، من المدرسة الرحبانية التي طالما قيل إنّها أعطت لبنان هويته الجبلية والقروية المسيحية، وصاغت صورته في الوجدان العربي من خلال الضيعة والجبل والبيت اللبناني القديم، بل حتى من خلال نكهة اللهجة الفيروزية نفسها، في مثل: “ألو – كحلون؟” أو “طلِّيت عَحيٍّ لِنا”، حيث تصبح العبارة اللبنانية، في بساطتها وخصوصيتها، حاملةً لعالمٍ كامل من الذوق والهوية والصورة.

غير أنّ قعبور، على تواضع إنتاجه الفني لأسبابٍ أهمها -في رأيي- عدم الاكتراث الإسلامي بهذا المجال، فلم تستثمر فيه سوى الحريرية لفترةٍ قصيرة من الزمن، وأنتج خلالها روائع قصيرة، إنما تصبّ في خانة السياسة والترويج الانتخابي أو التعبوي الشعبي، وقد كان -على بساطته- راسخًا، لم يبرح ذاكرتنا حتى اليوم، رغم أنّ “البلد لم يعد ماشي، ولا الشغل ماشي، بس الحكي ماشي…”

لبنان المدينة

فقد منحنا وجهًا آخر للبنان، وجهًا أغفلته الرحبانية في الأغلب، أو لم يكن في صلب مشروعها الرمزي، وهو لبنان المدينة، ولبنان المدني، ولبنان الذي تتجسّد روحه في بيروت أكثر مما تتجسّد في الجبل. فأغنية طفولتنا التي تتغزّل ببيروت، وتجعل منها صندوق الفرجة ومصدر الفرحة للدنيا، والعروس التي تلبس الطرحة، يقف على بابها رمضان ويمرّ على جنباتها العيد، تضعنا أمام لبنان آخر، غير ذلك المعلّق فقط على صورة القرية والبيت الأول والنسيم الجبلي، بل أمام لبنان المدينة التي لها شاعريتها الخاصة، ودفؤها الخاص، وذاكرتها الخاصة، ونكهتها الإسلامية المدنية الحميمة…

كلما قرأنا عنه أو سمعنا ذِكره، نرى أنّ اسمه مرتبطٌ بالهدوء والرقي والسلام والصدق، إلى جانب روعته الفنية الفريدة، ولكن قعبور لم يكن جميلًا في أخلاقه أو صوته أو مسلكه فقط، بل كان كبيرًا أيضًا في نوع الهوية التي التقطها فنيًا وأعطاها شرعية الذاكرة.

لقد التقط بيروت التي لم تُغنَّ بما يكفي؛ بيروت التي ليست نقيض الجنوب والجبل ولا بديلًا عنهما، وليست نقيض القرية ولا خروجًا عليها، بل هي ذلك المكان الذي يلجأ إليه “كلّ الناس” حين تضيق القرى والبلدات، وتقسو فيها الحياة اليومية.

 

separator
ahmed_kaabour_mourning

وطنٌ بالغناء

ومن هنا، فإنّ الحديث عن قعبور لا ينبغي أن يبقى حديثًا عن فنانٍ ذي موقف، أو عن صاحب صوتٍ ناعم قريب من الناس، أو حتى عن صاحب أعمال مقاومة وسياسية راسخة في الوجدان. كلّ ذلك صحيح، لكنه لا يبلغ جوهر المسألة.

الجوهر عندي أنّه كان واحدًا من أولئك الذين حاولوا، بوعيٍ أو بحدسٍ فني عميق، أن يبنوا وطنًا بالغناء. لا وطنًا أيديولوجيًا، ولا وطنًا شعاراتيًا، بل وطنًا له ملمس العيش، وله لون الشارع وإيقاع الأعياد، وله قدرة على أن يضمّ المختلفين في صورة مشتركة من غير أن يمحو اختلافهم، فهو “يغنّي للناس” ويقول لهم بهدوئه المعهود إنّ “شوارع المدينة مش لحدا”، لأنّ “شوارع المدينة لكلّ الناس”.

وهنا يصبح الربط بينه وبين فكرة الوطن بوصفه قابليةً للاجتماع ربطًا طبيعيًا لا متكلّفًا. فقد تعبنا من الأسئلة اللبنانية التي ما انفكّت تُطرح دون إجابات نافعة أو ناجعة:
من هو الأحقّ بهذا البلد؟
من كان وجوده هو الأسبق؟
من يملك الرواية التاريخية الأصحّ؟
ولكن السؤال الأهم بالفعل: هل هذه الجماعات قابلة أصلًا للاجتماع؟

هل تستطيع أن تبقى جماعات مختلفة، بذاكراتها وحساسياتها وخصوصياتها، ثم ترى نفسها مع ذلك جزءًا من وطن واحد؟ أم أنّها، عند كلّ محنة كبرى، تعود فورًا إلى حدودها النفسية الأولى، وإلى خوفها الخاص، وإلى لغتها الخاصة، وإلى تعريفها الخاص للنجاة والخطر؟ إنّ المشكلة في لبنان ليست ببساطة في وجود التعدد، بل في أنّ هذا التعدد لم يتحوّل بعد، على نحوٍ راسخ، إلى تعددٍ قابلٍ للاجتماع.

الاجتماع والذوبان

فالاجتماع هنا لا يعني الذوبان، ولا يعني إلغاء الطوائف، ولا يعني محو الخصوصيات، ولا يعني فرض ذاكرة واحدة على الجميع. الوطن لا يُشترط فيه أن ينتج سردية موحّدة، ولا أن يحمل الناس القراءة نفسها للماضي، ولا أن يتخلّوا عن حساسياتهم الدينية والثقافية حتى يكونوا جزءًا منه. الذي يحتاج إليه الوطن، في مستوى أعمق، هو شيء آخر تمامًا: أن تكون جماعاته قابلةً للاجتماع، وأن ترى في الاجتماع صورةً ممكنةً من صور وجودها، لا مجرد تسوية مؤقتة أو ضرورة مفروضة.

وهذا بالضبط ما ظلّ ناقصًا في لبنان، وما تكشفه الحروب كلّ مرة من جديد. لأنّ الحرب لا تفضح فقط ضعف الدولة، ولا عجز الاقتصاد، ولا اختلال التوازنات، بل تفضح أيضًا مقدار التباعد الكامن بين الجماعات، في اللغة، وفي توزيع التعاطف، وفي قراءة الألم، وفي حدود الخوف، وفي الطريقة التي يترقّب بها كلّ طرف الآخر.

لقد أراد قعبور أن يبني وطنًا بالغناء، لكن رحيله جاء ليكشف أنّ هذا الوطن ما يزال ناقص التحقّق. فقد غنّى بيروت ملاذًا للناس، فيما أعادت الحرب إظهار هشاشة الاجتماع بينهم، وكشفت أنّ التعايش اليومي لا يرقى بالضرورة إلى قابلية راسخة للاجتماع ساعة الخوف والاقتلاع.

من هنا، فإنّ خسارته اليوم لا ينبغي أن تُقرأ فقط بوصفها خسارة فنان كبير، وإن كان كذلك بلا جدال، بل بوصفها خسارة واحد من الأصوات النادرة التي أعطت أحد أهم منازل كمال الصليبي الكثيرة صورةً لا تقوم على الاستعراض، بل على الإيحاء العميق بأنّ هذه المنازل الكثيرة يمكن أن تكون بيتًا واحدًا. بيتًا للفرحة والطرحة، وبيتًا للجوء، وبيتًا للعيد، وبيتًا للناس. لكن الحرب، ساعة موته، أعادت إلينا الحقيقة التي يصعب الهروب منها. إنّ هذا البيت، على جماله، ما يزال مهددًا من داخله بقدر ما هو مهدد من خارجه، لأنّ الجماعات التي تسكنه لم تصبح بعد، على نحوٍ راسخ، جماعات قابلةً للاجتماع…

لم تكن صديقتنا الفلسطينية "لينا" هي الوحيدة التي لم تستطع أن تبني غدها، فالحاج محمد اللبناني "ما تهنّى" في حيّ السلم، وكذلك البنت الصغيرة التي نسيت شالها على التلة في كفرمتى... لم يُغنَّ لها "تتنام"، ولا شجرة الرمان الوحيدة في حرش المنارة وجدت من يسقيها... حرام.
*أستاذ محاضر في جامعة "جورج تاون" - قطر
العلامات

يعجبك ايضاً

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا