تحميل

إبحث

في الصميم

دمشق الصامتة.. لماذا اختار “الشرع” الانكفاء؟

Aftermath of war

في الوقت الذي تشتعل فيه جبهات الشرق الأوسط، وتتصاعد أعمدة الدخان من عواصم قريبة وبعيدة، يبرز تساؤل يفرض نفسه على طاولة التحليلات السياسية: أين سوريا؟ ولماذا يبدو اسم رئيسها، أحمد الشرع، “خجولًا” أو غائبًا عن صدارة المشهد الحربي والدبلوماسي المحتدم؟

فسوريا، التي كانت لعقود “قلب العروبة النابض” وساحة الصراعات الكبرى، تبدو اليوم وكأنها اختارت الجلوس في مقاعد المتفرجين، تراقب العاصفة من نافذة “الحياد الحذر”.

فجر جديد وأولويات مغايرة

لفهم هذا “الغياب” أو الانكفاء، يجب العودة إلى جذور التحول الجذري الذي شهدته البلاد. فمنذ سقوط النظام السابق في نهاية عام 2024، وتولي أحمد الشرع قيادة المرحلة الانتقالية وصولًا إلى رئاسة الجمهورية في مطلع 2025، دخلت سوريا طور “إعادة التكوين”.

الدولة التي خرجت مثخنة بالجراح من حرب أهلية دامت أكثر من عقد، وجدت نفسها أمام تركة مثقلة بالدمار الاقتصادي، والتمزق المجتمعي، والسيادة المنقوصة.

وبالنسبة إلى الشرع، القادم من خلفية ثورية وعسكرية أدركت ثمن الانغماس في المحاور الخارجية، تبدو الأولوية اليوم هي “سوريا أولًا”. إن صمت دمشق ليس ضعفًا بقدر ما هو “استراحة محارب” يدرك أن أي مغامرة عسكرية إقليمية غير محسوبة قد تطيح بما بُني من استقرار هش في دمشق وحلب وشرق الفرات.

أشدّ ما تغيّر في دمشق، ليس ما يُقال من قصرها، بل ما امتنعت عن قوله وهي ترى الإقليم يحترق

ميزان “الحياد” في زمن الانفجار

منذ اندلاع التصعيد الأخير في المنطقة، الذي تطور إلى مواجهات مباشرة شملت أطرافًا دولية وإقليمية، رسمت إدارة الشرع خطًا بيانيًا واضحًا: “النأي بالنفس”. وفي تصريحاته الأخيرة من لندن، أكد الشرع أن دمشق لن تكون منصة لاستهداف أحد، ولن تنخرط في صراعات لا تخدم المصلحة الوطنية السورية المباشرة.

وقد انعكس هذا الموقف في عدة نقاط جوهرية تفسر خفوت الصوت السوري:

فك الارتباط مع المحور الإيراني: نجح النظام الجديد في دمشق في تقليص النفوذ الإيراني العسكري والسياسي بشكل دراماتيكي. واليوم، تؤكد دمشق أنها لا تملك علاقات دبلوماسية فاعلة مع طهران، وتفضل اتباع مسارات تفاوضية بدلًا من الصدام المسلح، ما أخرجها من “وحدة الساحات” التي كانت تربطها سابقًا بمحور المقاومة.

ترتيب البيت الداخلي: انشغلت دمشق طوال الأشهر الماضية بملفات كبرى، مثل اتفاق الدمج مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وإعادة السيطرة على حقول النفط والمعابر، وهي ملفات وجودية ترى القيادة السورية أنها أهم من الانشغال بالحروب الإقليمية.

البحث عن الشرعية الدولية: يسعى أحمد الشرع إلى تقديم سوريا بوصفها “دولة مدنية” منفتحة، تبني جسورًا مع الخليج والغرب، وهذا يتطلب بالضرورة ابتعادًا كاملًا عن أي نشاط “ميليشياوي” أو تدخل في شؤون الجيران.

سوريا والمواجهة.. الوجود الصامت

ورغم هذا الحياد، فإن سوريا ليست “خارج المعادلة” تمامًا، بل هي في قلبها جغرافيًا. فالسماء السورية ما زالت تشهد عمليات اعتراض للصواريخ العابرة، والأراضي السورية لا تسلم أحيانًا من الانتهاكات. لكن الفارق الجوهري يكمن في “الرد”.

فدمشق اليوم تكتفي بالاحتجاج الدبلوماسي والتواصل مع القوى الكبرى لضمان عدم تحول أراضيها إلى ساحة لتصفية الحسابات.

ويقول مراقبون إن الرئيس الشرع يمارس “سياسة الواقعية المفرطة”؛ فهو يدرك أن الجيش السوري لا يزال في طور إعادة الهيكلة، وأن الاقتصاد لا يحتمل تبعات عقوبات جديدة أو قصفًا يطال مرافق الدولة الحيوية. لذا، يظهر اسمه “خجولًا” لأنه يرفض لغة الشعارات الرنانة التي ميزت الحقبة الماضية، ويفضل لغة “الأرقام والاتفاقات وبناء المؤسسات”.

رسالة إلى الداخل والخارج

الرسالة التي يبعث بها أحمد الشرع من خلف جدران قصر المهاجرين واضحة: “سوريا تريد أن تعيش”. فالموقف الراهن هو موقف “الحياد الإيجابي”، الذي يهدف إلى حماية وحدة البلاد المنجزة حديثًا.

فدمشق اليوم تراهن على الوقت لإتمام عملية الانتقال السياسي، وترى أن انخراطها في الحرب الحالية سيعني، ببساطة، عودة البلاد إلى المربع الأول من الفوضى والتدخلات الخارجية.

syria_neutrality_landscape
الصمت السوري اليوم ليس غيابًا عن العاصفة، بل قرارٌ بألّا تتحوّل البلاد مرّةً أخرى إلى وقودٍ فيها
في نهاية المطاف، قد يبدو الدور السوري اليوم متواريًا عن الأنظار، لكنه في الحقيقة دور "مركزي في صمته". إن نجاح أحمد الشرع في إبقاء سوريا بمنأى عن ألسنة اللهب المشتعلة حولها هو، بحد ذاته، "إنجاز سياسي" في نظر مؤيديه، وتحدٍّ كبير في نظر خصومه. فسوريا لم تعد "لاعبًا" في حروب الآخرين، بل تحاول جاهدة أن تصبح "ملعبًا" للتنمية والاستقرار، وهو مسار طويل وشاق، يجعل من الصمت السوري الحالي ضجيجًا من نوع آخر.. ضجيج البناء المتعثر وسط ركام الحروب.
al-Post
العلامات

يعجبك ايضاً

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا