قلت له بهدوء: “بتعرف قديش صرفت الولايات المتحدة على هالحروب؟ حوالي 11.3 مليار دولار. وبتعرف قديش بيكفي لتحل أزمة مجاعة الأطفال بالعالم؟ أقل من 4 مليار. الفرق مش أرقام… الفرق خيارات.”
سكت. للحظة فقط.
ثم عاد ليحتمي بالحجة الأكثر شيوعًا في هذا العصر: “طيب إذا اشتريت منتج… صرت أنا عم مول حرب؟”
آه… السؤال الذي يريح الضمير أكثر مما يبحث عن إجابة.
أجبته: “المأساة مش هون… المأساة لما الإنسان يستصغر فعله. لما يقنع حاله إن الشر الصغير ما إلو وزن. بس الحقيقة؟ كل شر—مهما صغر—إلو ظل. ويمكن هالظل هو اللي بيكبر ليتحوّل لشيء ما منقدر نوقفه.”
صديقي الثالث، الذي لم يتكلم طويلاً، قال فجأة: “طيب ليش الله ما بيمنع الشر من الأساس؟”
سؤال قديم… أقدم من الحروب نفسها.
قلت له: “لأنه إذا منع الشر، بيكون ألغى الحرية. وإذا ألغى الحرية، بيكون خلق عالم بلا اختبار… بلا معنى. الجنة مش هون… الجنة نتيجة.”
ساد الصمت. ليس صمت اقتناع… بل صمت ارتباك.
في الخارج، كانت المدينة تمارس حياتها كأن شيئًا لم يكن. سيارات، أبواق، وناس تشتري أشياء قد لا تحتاجها… وربما تساهم بها، دون أن تدري، في صناعة حرب أخرى.
نظرتُ إليهم وقلت: “تخيلوا بس… لو كل واحد اليوم قرر ياخد موقف—مش من الحرب—بل من نفسه. من شره الصغير. من تبريراته اليومية. شو كان صار؟”
لم يجب أحد.
ليس لأن السؤال صعب… بل لأن الجواب مكلف.
دفعتُ الحساب، وغادرت. خلفي بقي النقاش يدور، كما تدور الحروب: نفس الأسئلة، نفس التبريرات، ونفس العجز عن الاعتراف بأن المشكلة… ليست هناك فقط.
بل هنا. على الطاولة. بين فنجان قهوة… وضمير يحاول أن يبقى نائمًا.