تحميل

إبحث

وجوه وحكايات

صيدا تودّع..”بيك الناس”

وُلد أحمد بيك الصلح في مدينة صيدا، تلك المدينة التي طالما أنجبت رجالًا تركوا بصماتهم في الحياة العامة، فكان واحدًا من أبرز وجوهها الاجتماعية، ورمزًا من رموزها الشعبية التي ارتبط اسمها بخدمة الناس والسعي إلى قضاء حوائجهم.

منذ شبابه، عُرف أحمد بيك بحضوره اللافت وشخصيته التي تجمع بين الهيبة والتواضع. حمل لقب “البيك” بكل ما يعكسه من مكانة واحترام، لكنه لم يتعامل معه يومًا كحاجز يفصله عن الناس، بل على العكس، جعله جسرًا للتقرب منهم. كان قريبًا من الجميع، يستمع لهمومهم، ويشاركهم تفاصيل حياتهم، حتى أصبح واحدًا من أكثر الشخصيات المحبوبة في صيدا.

تميّز الراحل بعلاقاته الواسعة، لا سيما في دول الخليج، حيث استطاع أن يوظّف هذه العلاقات في خدمة أبناء مدينته. لم تكن علاقاته للوجاهة أو المظاهر، بل كانت وسيلة فاعلة لمساعدة المحتاجين، وتأمين فرص العمل، وتقديم الدعم في أصعب الظروف. وقد شهد له كثيرون بأنه لم يتأخر يومًا عن تلبية نداء من قصد بابه.

وكان بيته في صيدا مفتوحًا للجميع، بلا استثناء. لم يكن مجرد منزل، بل كان مقصدًا لأبناء المدينة، وملتقى تُحلّ فيه المشكلات وتُقضى فيه الحاجات. في هذا البيت، تجلّت صور الكرم والاحتضان، حيث لم يكن الزائر يشعر بالغربة، بل كان يُستقبل كأحد أفراد العائلة.

أما على الصعيد الشخصي، فقد كان لأحمد بيك الصلح أثر بالغ في مسيرتي، لا يمكن اختصاره بكلمات. لم يكن بالنسبة إليّ مجرد شخصية عامة أو رجل مدينة، بل كان معلمًا في خفايا العمل الشعبي، ومرشدًا في فهم تفاصيل صيدا وأهلها. علّمني كيف يُصغى إلى الناس قبل الحديث إليهم، وكيف تُبنى الثقة خطوة خطوة، بعيدًا عن الشعارات.

ومنه تعلّمت أن العمل الشعبي ليس حضورًا إعلاميًا ولا مواقف عابرة، بل هو التزام يومي يبدأ من أصغر التفاصيل: من زيارة مريض، إلى متابعة قضية، إلى الوقوف إلى جانب الناس في لحظاتهم الصعبة. علّمني أن العلاقات ليست أرقامًا أو أسماء، بل مسؤوليات تُحمل بصدق، وأن خدمة الناس تحتاج إلى صبر، وإخلاص، وصدق نية قبل أي شيء آخر.

كان يأخذ بيدي في كثير من المواقف، ويشرح لي خريطة المدينة غير المكتوبة: ناسها، وعائلاتها، وحساسياتها، وأولوياتها. كان يرى في العمل الشعبي رسالة لا موقعًا، وفي محبة الناس رأس المال الحقيقي الذي لا يُشترى.

ومع مرور السنوات، ترسّخ حضور أحمد بيك الصلح بوصفه “البيك الشعبي” في صيدا، وهو لقب لم يُمنح له رسميًا، بل منحه إياه الناس بمحبتهم وثقتهم. فقد جمع بين المكانة الاجتماعية والروح الإنسانية، وبين القدرة على التأثير والالتزام بقضايا الناس.

برحيله، فقدت صيدا شخصية استثنائية قلّ نظيرها، رجلًا جمع بين الأصالة والبساطة، وبين القوة في الحضور والصدق في العطاء. أما أنا، فقد فقدت أكثر من ذلك: فقدت معلمًا، ومرجعًا، وصاحب تجربة حيّة كنت أستند إليها في فهمي للناس والعمل بينهم.

رحم الله أحمد بيك الصلح، فقد ترك إرثًا من المحبة والخير، سيبقى شاهدًا على مسيرة رجل عاش للناس وبينهم، ورحل تاركًا أثرًا لا يُنسى.

  • الأمين العام ل”تيار المستقبل”
العلامات

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا