تحميل

إبحث

في الصميم

“القومية الصيداوية”… وثقافة الاستهتار

saida wastes

يقال إن التاريخ يعيد نفسه، لكن في صيدا يبدو أنه لم يغادر أصلاً.

فكما أشعل نيرون روما بالنيران في القرن الأول الميلادي، يعيش بيننا اليوم نيرون جديد، يطلّ من بين ركام النفايات على شاطئ المدينة ومنتجع جبل “الزبالة”، يراقب بصمت كيف يتحول المشهد البيئي إلى كارثة يومية، وكيف يُترك المواطنون في مواجهة أزمة تكاد تشبه حريق روما، ولكن برائحة النفايات بدل دخان الحطب.

أزمة النفايات في صيدا ليست مجرد خلل إداري أو تقصير بلدي، بل هي صورة مصغّرة عن مأساة أكبر: مأساة مدينة تُحب الحياة وتُحب البحر، لكنها تُحاصر نفسها بأكوام من القمامة التي تهدد صحتها وصورتها الحضارية. وكأن نيرون، الذي عزف على قيثارته بينما كانت روما تحترق، يعزف اليوم على أوتار الإهمال والفساد، تاركًا صيدا تغرق في أزماتها البيئية.

لكن صيدا ليست مدينة عابرة، وليست مجرد جغرافيا على الخريطة. هي هوية، هي انتماء، هي ما يمكن أن نسمّيه “القومية الصيداوية”. هذا المفهوم ليس شعارًا سياسيًا، بل هو شعور داخلي يعيشه كل صيداوي أينما ذهب. فالصيداويون يخرجون من مدينتهم للعمل والعيش في بيروت أو الخليج أو أوروبا، لكن صيدا لا تخرج منهم. تبقى في القلب، في الذاكرة، في تفاصيل الحياة اليومية.

لن ننتصر على نيرون إلا إذا قتلنا نيرون الذي وُلد فينا

القومية الصيداوية هي ذلك الرابط غير المرئي الذي يجمع أبناء المدينة، مهما تفرّقوا في أصقاع الأرض. هي الحب الذي يتجدد في كل زيارة، في كل عودة إلى السوق القديم، في كل صلاة في الجامع العمري الكبير، في مسجد الزعتري، في مسجد الشاكرية، وفي كل نزهة تحت قناطر البلد وعلى الكورنيش البحري. هي شعور بالفخر والاعتزاز، رغم الأزمات، رغم الإهمال، رغم النفايات التي طغت على رائحة زهر الليمون في الوسطاني والبستان الكبير.

من يزور صيدا يلمس هذا الحب في عيون أهلها. حب لا ينطفئ، رغم كل شيء. حب يجعلهم يتحدثون عن مدينتهم وكأنها فرد من العائلة، لا مجرد مكان. حب يجعلهم يرفضون الاستسلام، ويبحثون دائمًا عن حلول، عن مبادرات، عن مشاريع تعيد لصيدا صورتها المشرقة.

هذه الهوية هي ما يميز الصيداويين عن غيرهم. هي ما يجعلهم يخرجون من صيدا للعمل والعيش، لكنهم يعودون إليها في كل مناسبة، في كل عطلة، في كل فرصة. هي ما يجعلهم يقولون بفخر: “نحن من صيدا”، وكأنها وسام شرف على صدورهم.

أيها الإخوة “الصيادنة”، أدعو نفسي وإياكم: لن ننتصر على نيرون إلا إذا بدأنا من داخلنا. نيرون لم يولد في القصور وحدها، بل وُلد أيضًا في ثقافة الاستهتار التي تجعلنا نرمي النفايات في الشوارع والبحر بلا وعي ولا مسؤولية.

sidon_concept_no_text
صيدا التي لا تخرج منا، تستحق أن نُخرج منها ثقافة الاهمال

إن حبنا لصيدا لا يُقاس بالكلمات وحدها، بل بالفعل اليومي البسيط: أن نحمل نفاياتنا إلى أماكنها الصحيحة، أن نرفض أن تتحول مدينتنا إلى مكبّ، أن نعلّم أبناءنا أن النظافة ليست عادة، بل إيمان.

فلنقتل نيرون الذي وُلد فينا، ولنخرج من هذه الثقافة التي تحاصرنا، ولنثبت لصيدا أننا نستحق أن نكون منها ولها. فصيدا التي لا تخرج منا تستحق أن نحميها، وأن نعيد إليها صورتها المشرقة: مدينة البحر والكرامة، مدينة الحب والانتماء، صيدا الوفية، صيدا الأبية.

 
العلامات

يعجبك ايضاً

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا