تحميل

إبحث

في الصميم

العقوبات الأميركية تكسر المحرّم… إنذار إلى بنية الدولة

lebanon_sanctions_cover

لم تكن العقوبات الأميركية الأخيرة على شخصيات لبنانية حدثًا عابرًا في سجل الضغوط المتكررة على لبنان، ولا مجرّد إضافة أسماء جديدة إلى لوائح وزارة الخزانة. فالقرار هذه المرّة حمل دلالة مختلفة وخطيرة، لأنه لم يقتصر على نواب أو مسؤولين سياسيين أو شخصيات حزبية مقرّبة من حزب الله، بل شمل، وللمرة الأولى، ضباطًا في مؤسسات أمنية وعسكرية لبنانية، في خطوة تضع الدولة اللبنانية نفسها أمام اختبار بالغ الحساسية

فقد أعلنت وزارة الخزانة الأميركية، في 21 أيار 2026، إدراج 9 أشخاص في لبنان على لوائح العقوبات، متهمة إياهم بعرقلة مسار السلام ونزع سلاح حزب الله، وبالمساهمة في إبقاء نفوذ الحزب داخل مؤسسات الدولة، ولا سيما في البرلمان والقطاعين العسكري والأمني. وشملت اللائحة، إلى جانب أسماء من حزب الله وحركة أمل وشخصية دبلوماسية إيرانية، العميد خطار ناصر الدين من الأمن العام، والعقيد سمير حمادي من مديرية المخابرات في الجيش اللبناني، على خلفية اتهامات أميركية بتقديم معلومات أو دعم للحزب خلال الحرب الأخيرة.

تطور غير مسبوق

خطورة القرار لا تكمن في مفاعيله المالية وحدها، من تجميد أصول محتملة وحظر تعاملات مع النظام المالي الأميركي، بل في الرسالة السياسية المباشرة التي يحملها: واشنطن لم تعد تكتفي بملاحقة حزب الله داخل بنيته الحزبية أو المالية، بل باتت تتعامل مع ما تعتبره “شبكات نفوذ” داخل مؤسسات الدولة اللبنانية. وهذا تطور غير مسبوق، لأنه يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الضغط على بيروت، حيث يصبح ملف “سيادة الدولة” و”حصرية السلاح” مرتبطًا ليس فقط بالقرار السياسي، بل أيضًا بمدى ثقة الخارج بحياد الأجهزة الرسمية.

skip render: ucaddon_material_block_quote

القرار الأميركي جاء في توقيت بالغ الحساسية. فلبنان يعيش تحت ضغط الحرب في الجنوب، والبحث عن ترتيبات أمنية وسياسية جديدة، وسط مطالبة أميركية وإسرائيلية متزايدة بحصر السلاح بيد الدولة. ومن هنا، تبدو العقوبات وكأنها جزء من معركة أوسع لا تستهدف الأفراد فقط، بل تهدف إلى إعادة رسم حدود العلاقة بين الدولة اللبنانية وحزب الله، وبين الجيش اللبناني باعتباره المؤسسة الأكثر حساسية في التوازن الداخلي، وبين الدعم الأميركي المستمر له منذ سنوات.

ردّ الجيش اللبناني كان لافتًا في محاولة احتواء الصدمة. فقد شددت قيادة الجيش، على أن ضباطها وعسكرييها يؤدون مهماتهم الوطنية بمهنية ومسؤولية وانضباط، وأن ولاءهم للمؤسسة والدولة، في موقف بدا كرسالة مزدوجة إلى الداخل والخارج: حماية صورة الجيش من جهة، وتفادي تحويل العقوبات إلى مادة انقسام داخلي من جهة أخرى. كما أكدت المديرية العامة للأمن العام أيضًا التزام عناصرها بالمؤسسات الرسمية، بعد إدراج أحد ضباطها على اللائحة الأميركية.

لكن المسألة أبعد من بيان توضيحي. فاستهداف ضباط في الجيش أو الأمن العام يلامس واحدة من أكثر المساحات حساسية في لبنان: صورة المؤسسة العسكرية كآخر مظلة جامعة بين اللبنانيين. فالجيش، رغم كل الانقسامات، بقي في الوعي العام مؤسسة يُفترض أنها تقف فوق الاصطفافات، وأي تشكيك خارجي في اختراقها أو تسييس بعض مواقعها قد يتحول سريعًا إلى مادة اشتباك سياسي وطائفي، أو إلى ذريعة لتصفية حسابات داخلية.


Surveying the stormy city's fate
العقوبات الأميركية على لبنان… رسالة إلى الدولة لا إلى الأفراد فقط

في المقابل، ترى واشنطن أن العقوبات ليست استهدافًا للجيش كمؤسسة، بل لأفراد تتهمهم بتقديم دعم لحزب الله. وهذا التفريق أساسي في الخطاب الأميركي، لكنه لا يلغي الأثر المعنوي والسياسي داخل لبنان. فالعقوبات، حتى عندما تُصاغ على أنها فردية، تضرب في بيئة لبنانية شديدة الحساسية، حيث تتحول الأسماء بسرعة إلى عناوين سياسية، والملفات الأمنية إلى مادة انقسام.

الأخطر أن هذه الخطوة قد تكون بداية مرحلة لا نهايتها. فحين تقول الخزانة الأميركية إن حزب الله يستفيد من دعم داخل مؤسسات رسمية، فهذا يعني أن واشنطن تضع تحت المراقبة مساحات أوسع من الإدارة والأمن والسياسة. وبذلك يصبح السؤال المطروح في بيروت: هل نحن أمام عقوبات محدودة وموجهة، أم أمام مسار تصعيدي سيطال أسماء أخرى إذا اعتبرت واشنطن أن الدولة لا تتحرك بما يكفي في ملف السلاح؟

فالسيادة لا تُحمى بالإنكار، كما لا تُبنى بالخضوع. السيادة تُحمى حين تكون الدولة قادرة على إثبات أن مؤسساتها تعمل وفق القانون، وأن قرارها الأمني والعسكري واحد، وأن ولاء ضباطها وعناصرها ليس موضع شبهة أو تأويل. أما ترك الأمور في المنطقة الرمادية، حيث تتداخل الدولة بالحزب، والمؤسسة بالمحور، والقرار الوطني بالحسابات الإقليمية، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من العقوبات والضغوط وربما العزلة.

skip render: ucaddon_box_testimonial

العلامات

يعجبك ايضاً

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا