تحميل

إبحث

ماذا لو

كرة ذكية وملاعب بلا كهرباء

world_cup_2026_contrast

حلم لم يبصر الضوء (العدسة الذكية)

في الوقت الذي تستعد فيه ملاعب الولايات المتحدة وكندا والمكسيك لاستقبال كأس العالم 2026، لا يبدو أنّ النجم الأبرز في البطولة سيكون لاعبًا من طراز استثنائي أو مدرّبًا صاحب فلسفة ثورية، بل كرة القدم نفسها.
ماذا لو؟

فالكرة الرسمية الجديدة لم تعد مجرد قطعة جلد منفوخة بالهواء تتنقّل بين أقدام اللاعبين، بل تحوّلت إلى منصة تكنولوجية متقدمة تحتوي على مستشعرات إلكترونية وبطارية ووحدة اتصال قادرة على إرسال البيانات مئات المرات في الثانية إلى أنظمة التحكيم والذكاء الاصطناعي. إنّها كرة تفكر وتراقب وتحلّل وتبلّغ عن كل لمسة وكل حركة، وكأنّها موظف رقابة داخلي تم تعيينه داخل المباراة.

داخل هذه الكرة الصغيرة تختبئ بطارية قابلة للشحن تُشغّل منظومة إلكترونية متكاملة تسمح بتتبّع مسارها بدقة مذهلة، ما يجعل قرارات التسلل ولمسات اليد أقرب إلى الحسابات العلمية منها إلى التقديرات البشرية. لم يعد الحكم يلاحق الكرة، بل أصبحت الكرة هي التي تخبر الحكم بما حدث.

أما في لبنان

قد يبدو الأمر عاديًا في عالم يتسابق نحو الذكاء الاصطناعي، لكن المشهد يكتسب طابعًا ساخرًا حين ننظر إلى واقع الرياضة في دول مثل لبنان. ففي الوقت الذي تستطيع فيه كرة كأس العالم إرسال آلاف البيانات خلال دقائق، ما زالت بعض الملاعب اللبنانية عاجزة عن إرسال إشارة كهربائية مستقرة إلى غرفة الملابس.

العالم يناقش كيفية شحن بطارية الكرة، فيما يناقش آخرون كيفية تشغيل مولّد الملعب.

العالم يطوّر أنظمة تتيح للكرة التواصل مع الحكام عبر الأقمار الصناعية والخوارزميات، فيما لا تزال أندية عديدة تبحث عن راعٍ يؤمّن كرات التدريب أو أجرة النقل للاعبين. هناك حيث أصبحت الكرة جزءًا من الثورة الرقمية، وهنا حيث لا يزال اللاعب جزءًا من معركة البقاء.

المفارقة أنّ كرة كأس العالم الجديدة أصبحت تمتلك ذاكرة إلكترونية تسجّل كل ما يفعله اللاعبون، بينما تعاني الرياضة اللبنانية من ذاكرة مؤسساتية قصيرة تنسى الخطط والاستراتيجيات والمشاريع بمجرد انتهاء المؤتمرات الصحافية.

إنها لحظة تاريخية تكشف الفجوة بين عالمين: عالم يرى في الرياضة صناعة تكنولوجية واستثمارًا استراتيجيًا ومختبرًا للابتكار، وعالم آخر ما زال يتعامل معها كترف يمكن تأجيله إلى أجل غير مسمّى.

ربما لم يعد السؤال اليوم: كيف تعمل بطارية كرة كأس العالم؟ بل كيف أصبح مستقبل اللعبة نفسها مختبئًا داخل تلك البطارية الصغيرة؟ فبينما تتقدم الكرة نحو عصر الذكاء الاصطناعي، تبدو بعض المنظومات الرياضية وكأنّها ما زالت تحاول اللحاق بعصر الكهرباء.

لا تكمن المفارقة في أنّ كرة القدم أصبحت أكثر ذكاءً، بل في أنّ وتيرة تطور التكنولوجيا الرياضية باتت تتسارع بوتيرة تفوق بكثير تطور البنية الرياضية في بعض الدول. وبينما تستثمر الدول المتقدمة في الابتكار والبيانات والبنى التحتية الحديثة لصناعة مستقبل اللعبة، لا تزال مؤسسات رياضية محلية تكافح لتأمين أبسط مقومات الاستمرارية. وهكذا تتسع الفجوة عامًا بعد عام بين كرة تتطور باستمرار ومنظومات لم تنجح بعد في مواكبة متطلبات العصر.

العلامات

يعجبك ايضاً

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا