هل الكوفيّة فلسطينيّة؟
سؤالٌ يبدو بسيطًا للوهلة الأولى، لكنّه يفتح الباب أمام رحلة طويلة تمتدّ عبر آلاف السنين، من ضفاف دجلة والفرات إلى كروم الزيتون في فلسطين، ومن رؤوس الصيّادين والفلّاحين إلى جباه الثوّار والمناضلين.
قبل أكثر من خمسة آلاف عام، وتحديدًا نحو عام 3100 قبل الميلاد، كان الصيّادون السومريّون في بلاد ما بين النهرين يضعون على رؤوسهم قطعة قماش بيضاء تقيهم حرارة الشمس القاسية. ومع مرور الزمن، خرج هذا الغطاء من عالم الصيد إلى الحقول والأسواق، فارتداه الفلّاحون والتجّار وسائر الكادحين، حتى أصبح جزءًا من المشهد اليومي للرجل العامل في المنطقة.
وفي القرن السابع الميلادي، ظهر هذا الشال بصيغة أكثر تطوّرًا في مدينة الكوفة العراقية. هناك اكتسب ملامحه الخاصة؛ قطعة مستطيلة من الكتّان، زُيّنت أطرافها بخطوط هندسية مستوحاة من البيئة المحلية، حتى ارتبط اسمها بالمدينة نفسها، فصار يُعرف بـ«الكوفيّة».
لكنّ التاريخ لا يصنعه المنشأ وحده، بل تصنعه أيضًا الشعوب التي تتبنّى الأشياء وتعيد تشكيلها وفق هويّتها ووجدانها.
عندما وصلت الكوفيّة إلى فلسطين، وجدت أرضًا عريقة في فنون النسيج والتطريز، وشعبًا يمتلك حسًّا بصريًا فريدًا جعل من الثوب الفلسطيني لوحةً تحكي قصّة المكان والإنسان. أحبّ الفلسطينيون الكوفيّة لبساطتها وعمليّتها، لكنها لم تبقَ كما جاءت. أعادوا صياغتها ومنحوها شخصية جديدة حتى أصبحت جزءًا أصيلًا من هويتهم الوطنية.
تحوّلت إلى قطعة مربّعة واسعة، تتداخل فيها الألوان البيضاء والسوداء في تناغم بصري لافت. وفي نقوشها قرأ الفلسطينيون حكاياتهم: شبكة الصيد رمزًا للبحر، والخطوط العريضة رمزًا لطرق التجارة والقوافل، وأوراق الزيتون رمزًا للأرض المباركة، فيما بقيت الخيوط المتدلية على الأطراف شاهدةً على معنى الحرية والانعتاق.
ومع الزمن، ظهرت نماذج وألوان مختلفة، أبرزها الكوفيّة الحمراء، في تعبير آخر عن التنوّع داخل المشهد الفلسطيني والشامي.
وخلال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، كان التمايز الاجتماعي واضحًا في فلسطين كما في كثير من مدن بلاد الشام؛ فأبناء المدن ارتدوا الطربوش الأحمر، بينما بقيت الكوفيّة عنوانًا لأبناء الريف والفلّاحين. ولتثبيتها على الرأس، استُخدم العقال المصنوع من شعر الماعز، فأصبح جزءًا من الصورة التقليدية للفلّاح الفلسطيني.
غير أنّ اللحظة التي غيّرت مصير الكوفيّة إلى الأبد جاءت مع الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936.
حين أدرك الفلسطينيون طبيعة المشروع الاستعماري البريطاني وخطر تهجيرهم من أرضهم، اندلعت الثورة في القرى والمدن. كان الثوّار يغطّون وجوههم بالكوفيّة أثناء مواجهة القوات البريطانية، الأمر الذي جعلها علامة يمكن للمحتل أن يتعقّب من خلالها المقاومين.
عندها حدث ما هو أبعد من مجرّد تبديل في اللباس.
خلع أبناء المدن الطرابيش الحمراء، وارتدوا الكوفيّة إلى جانب أبناء الريف، ليس فقط لتضليل سلطات الاحتلال، بل إعلانًا لوحدة المصير والموقف. في تلك اللحظة، سقطت الفوارق بين المدينة والقرية، وارتفعت الكوفيّة فوق الجميع بوصفها راية شعب، لا مجرّد قطعة قماش.
ومنذ ذلك اليوم، لم تعد الكوفيّة زيًّا تقليديًا فحسب، بل أصبحت رمزًا سياسيًا ووطنيًا وإنسانيًا. ارتداها المناضلون والقادة والمثقفون، وحملت معها رواية شعب يناضل من أجل أرضه وكرامته وحقّه في البقاء.
ومع كل محطة مفصلية في تاريخ فلسطين والمنطقة، تعود الكوفيّة إلى الواجهة. تظهر في المظاهرات، وفي ساحات التضامن، وعلى منصّات الموضة العالمية. تتغيّر الأشكال والأساليب، لكنها تحتفظ دائمًا بجوهرها ومعناها الأول.
صحيح أنّ جذور الكوفيّة التاريخية تمتدّ إلى حضارات أقدم من فلسطين، لكنّ الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أنّ الفلسطينيين هم مَن منحوا الكوفيّة روحها الحديثة ومعناها الإنساني العميق. فمن دون فلسطين، ربما كانت ستبقى مجرّد غطاء للرأس، أمّا معها فقد أصبحت رمزًا عالميًا للكرامة والصمود والحرية.
