الحرب الأهليّة… ليست حتميّة لكنها لم تَعُد مستحيلة
لم تترك الحرب الأخيرة مع إسرائيل لبنان كما كان قبلها.
فالحروب لا تكشف فقط حجم الدمار في الأبنية والطرقات، بل تكشف ما هو أخطر: الشقوق الكامنة في النفوس، والعداوات المؤجّلة، واللغة التي كان اللبنانيون يخفونها خلف المجاملات والقمم الروحية والبيانات الوطنية الجاهزة.
لذلك يصبح السؤال مشروعًا ومخيفًا في آنٍ واحد: هل الحرب الأهليّة في لبنان اليوم حتميّة؟
الجواب الأدق: لا، ليست حتميّة. لكنها احتمال قائم إذا استمرّ اللبنانيون في إدارة انقسامهم بالعجز نفسه، والكذب نفسه، والخوف نفسه.
ويقرّرون الانتحار
فالحرب الأهليّة لا تبدأ عادةً بقرار معلن. لا يجتمع الناس حول طاولة ويقرّرون الانتحار الجماعي. تبدأ الحرب حين يصبح العيش المشترك مجرّد صورة، وحين تتحوّل الدولة إلى شاهد زور، وحين تشعر كل جماعة بأنها مهدّدة، وكل طائفة بأنها مستهدَفة، وكل طرف بأنه يملك الحقيقة والسلاح والحق في النجاة وحده.
ما بعد الحرب مع إسرائيل ليس مجرّد مرحلة إعادة إعمار. إنه اختبار وجودي لفكرة لبنان نفسها. فالحرب كشفت أن الانقسام اللبناني لم يعد سياسيًا فقط، بل صار وجدانيًا وأخلاقيًا. رأينا شماتة حيث كان يفترض أن تكون رحمة، ورأينا تخوينًا حيث كان يفترض أن تكون مساءلة، ورأينا طوائف تتحدث عن الوطن كأنه فندق مؤقت لا بيت نهائي.
الأخطر أن الحرب جاءت فوق انهيار اقتصادي واجتماعي طويل. الناس منهكة، الدولة ضعيفة، الثقة شبه معدومة، والسلاح والذاكرة والوجع موزّعة بطريقة غير عادلة بين اللبنانيين.
في مثل هذه البيئة، لا تحتاج الفتنة إلى مشروع كبير. يكفي حادث أمني، خطاب تعبوي، تشييع متوتر، اعتداء في شارع، أو قرار سياسي يُفهم على أنه كسر لفريق كي تخرج النار من تحت الرماد.
المعطيات الأخيرة تزيد القلق. وقف إطلاق النار بقي هشًا، مع استمرار الخشية من انهياره وامتناع كثير من النازحين عن العودة بسبب الخوف من تجدّد القتال. كما أن الحديث عن ترتيبات أمنية وسياسية مرتبطة بسلاح حزب الله ودور الجيش في الجنوب أعاد إشعال التوتر الداخلي حول السؤال القديم الجديد: من يقرّر الحرب والسلم في لبنان؟
لكن رغم ذلك، القول إن الحرب الأهليّة حتميّة هو استسلام خطير. فالحتميّة تعني أن اللبنانيين فقدوا القدرة على الاختيار. وهذا غير صحيح. لبنان عاش على حافة الهاوية مرات كثيرة، لكنه لم يسقط دائمًا. ما يمنع الحرب ليس الحب الرومانسي بين الطوائف، بل وجود حدّ أدنى من العقل، والمصلحة، والخوف المتبادل من الكارثة.
هناك أسباب تمنع الانزلاق الكامل. أولها أن ذاكرة الحرب الأهليّة لا تزال حيّة، ولو أن البعض يتعامل معها بخفّة. كثيرون يعرفون أن الحرب لا تنتج منتصرين، بل أمراء خراب ومقابر ومهجّرين.
ثانيها أن المجتمع اللبناني، رغم كل أمراضه، لا يزال متداخلًا اقتصاديًا واجتماعيًا ومناطقيًا إلى درجة تجعل الانفصال الدموي مكلفًا للجميع. وثالثها أن الإقليم والدول المؤثرة، مهما تلاعبت بالساحة اللبنانية، لا تريد بالضرورة انفجارًا أهليًا شاملًا يصعب ضبطه.
قد لا يمنعها غدًا
لكن ما يمنع الحرب اليوم قد لا يمنعها غدًا إذا استمرت الأسباب نفسها. فلبنان لا يحتاج إلى حرب أهلية كلاسيكية تشبه حرب 1975 كي ينفجر. قد يدخل في نسخة أخطر: حرب أهلية باردة، متقطعة، متنقلة، تبدأ بالكراهية الإعلامية، ثم بالمقاطعة الاجتماعية، ثم بالأحياء المقفلة، ثم بالسلاح الفردي، ثم بالاشتباكات المحدودة التي لا يعترف أحد بأنها حرب حتى تصبح واقعًا.
الأسئلة الكبرى
المشكلة العميقة أن اللبنانيين يتحدثون كثيرًا عن العيش المشترك، لكنهم نادرًا ما يمارسون شروطه. فالعيش المشترك لا يعني أن نصمت عن الخلافات. ولا يعني أن ندفن الأسئلة الكبرى تحت سجادة المجاملات. بل يعني أن نمتلك شجاعة طرح الأسئلة التي نخافها: ما معنى الدولة؟ من يملك قرار الحرب؟ كيف تُحمى الطوائف من دون أن تتحوّل إلى جيوش نفسية؟ كيف يُطمئن الشيعي من دون أن يُخاف السني والمسيحي والدرزي؟ وكيف يُطمئن سائر اللبنانيين من دون أن يشعر الشيعي بأنه مستهدَف في وجوده لا في خيارات قياداته؟
أي حوار لا يقترب من هذه الأسئلة هو مجرّد صورة تذكارية جديدة. وأي خطاب وطني لا يعترف بحجم الكراهية المتبادلة هو كذب مؤجّل. لبنان لا يحتاج اليوم إلى مواعظ عن الوحدة، بل إلى مصارحة قاسية تحمي الوحدة من التحوّل إلى شعار فارغ.
بعد الحرب مع إسرائيل، ليس المطلوب إعلان انتصار فريق أو هزيمة آخر. المطلوب منع انتقال الحرب من الحدود إلى الداخل. وهذا لا يحصل إلا بثلاثة: بإعادة الاعتبار للدولة بوصفها مرجعية نهائية، لا واجهة شكلية. فلا يمكن أن يعيش بلد إلى الأبد بقرار حرب موزّع بين الدولة واللادولة، وبقرار سلم معلّق على تفاهمات إقليمية.
الثاني، خطاب سياسي وديني وإعلامي يوقف صناعة الكراهية. فالفتنة لا تولد من الرصاص وحده، بل من الجملة الأولى التي تجرّد الآخر من إنسانيته.
الثالث، حوار داخلي جدّي لا يقوم على إذلال أي مكوّن، ولا على منح أي مكوّن حق الفيتو الأبدي على الدولة. المطلوب تسوية شجاعة، لا غالب فيها ولا مغلوب، لكنها أيضًا لا تسمح ببقاء لبنان رهينة خوف دائم.
