فلسطين التي ضاعت…قبل المعركة الأخيرة
على مدى عقود طويلة، جرى التعامل مع النكبة الفلسطينية بوصفها حدثًا وقع في الخامس عشر من أيار/مايو 1948، تاريخ إعلان قيام دولة إسرائيل ودخول الجيوش العربية إلى فلسطين. لكن الوثائق الاستخباراتية البريطانية التي رُفعت عنها السرية خلال السنوات الأخيرة ترسم صورة أكثر تعقيدًا، وأكثر إزعاجًا للروايات التقليدية التي اختزلت واحدة من أكبر المآسي السياسية في القرن العشرين في تاريخ واحد، ومعركة واحدة، وهزيمة واحدة.
على مدى عقود طويلة، جرى التعامل مع النكبة الفلسطينية بوصفها حدثًا وقع في الخامس عشر من أيار/مايو 1948، تاريخ إعلان قيام دولة إسرائيل ودخول الجيوش العربية إلى فلسطين. لكن الوثائق الاستخباراتية البريطانية التي رُفعت عنها السرية خلال السنوات الأخيرة ترسم صورة أكثر تعقيدًا، وأكثر إزعاجًا للروايات التقليدية التي اختزلت واحدة من أكبر المآسي السياسية في القرن العشرين في تاريخ واحد، ومعركة واحدة، وهزيمة واحدة.
النكبة لم تبدأ في 1948
أحد أكثر الاستنتاجات أهمية أن النكبة ليست حدثًا وقع في يوم واحد. فالوثائق تعيد التأريخ لبداية الكارثة إلى منتصف عام 1947، مع اندلاع الحرب الأهلية في فلسطين بعد قرار التقسيم، بينما لا تنتهي فعليًا إلا مع توقيع اتفاقيات رودس عام 1949.
بهذا المعنى، تبدو النكبة عملية ممتدة من التفكك العسكري والسياسي والاجتماعي، وليست مجرد لحظة إعلان دولة أو سقوط مدينة.
مشروع استيطاني سبق الحرب
إذا كانت الحرب قد اندلعت عام 1947، فإن التخطيط لها بدأ قبل ذلك بسنوات طويلة.
تكشف الوثائق أن المؤسسات الصهيونية عملت منذ عشرينيات القرن الماضي على بناء قاعدة معلومات شاملة عن فلسطين. ومع نهاية عام 1933، كانت هناك سجلات تفصيلية عن القرى والسكان والطرق والممتلكات الزراعية ومصادر المياه، وحتى الثروة الحيوانية والأسلحة الفردية الموجودة في القرى الفلسطينية.
لم يكن الأمر مجرد جمع معلومات، بل بناء بنك أهداف متكامل سبق الحرب بسنوات طويلة، وهو ما منح القوات الصهيونية لاحقًا تفوقًا استخباراتيًا حاسمًا.
أول الغنائم.. الكتب
في الروايات التقليدية، تبرز الأراضي والمنازل باعتبارها أبرز خسائر الفلسطينيين. لكن الوثائق تشير إلى أن واحدة من أولى العمليات المنظمة بعد السيطرة على المدن الفلسطينية كانت مصادرة المكتبات الخاصة والكتب والمخطوطات الموجودة في البيوت المهجورة.
لم تكن المعركة على الأرض فقط، بل على الذاكرة أيضًا. الاستيلاء على المعرفة والأرشيفات والوثائق الخاصة كان جزءًا من عملية أوسع لإعادة تشكيل السردية التاريخية للبلاد.
فلسطين التي حاولوا محوها
تكشف الوثائق أيضًا حجم التناقض بين الدعاية الصهيونية التي تحدثت عن “أرض بلا شعب” وبين الواقع الذي كان قائمًا في المدن الفلسطينية قبل النكبة.
كانت فلسطين تمتلك صحفًا يومية ومجلات أدبية ومسارح ودور سينما وإذاعات وموانئ ومكتبات عامة وحياة ثقافية مزدهرة. وكانت مدن مثل القدس ويافا وحيفا تشكل مراكز حضرية متقدمة في المنطقة.
إنها صورة مختلفة تمامًا عن الأرض الخالية التي جرى تسويقها للعالم لعقود.
من فلسطين إلى إسرائيل
ومن المفارقات اللافتة أن اسم “إسرائيل” نفسه لم يكن متداولًا في الوثائق السياسية والإعلامية المبكرة.
حتى وعد بلفور والوثائق البريطانية والأدبيات الصهيونية الأولى كانت تتحدث عن فلسطين بوصفها الاسم الجغرافي والسياسي للبلاد.
أما الاسم الجديد، فقد جاء لاحقًا كجزء من عملية إعادة تشكيل الهوية السياسية والجغرافية للمكان.
قرى لم تُهجّر فقط… بل مُحيت
تكشف الوثائق أن ما تعرضت له مئات القرى الفلسطينية تجاوز التهجير القسري إلى التدمير المنهجي.
فأكثر من خمسمئة قرية تعرضت لعمليات إزالة واسعة استهدفت المنازل والمعالم والبنية العمرانية، بحيث يصعب، بعد سنوات قليلة، التعرف إلى مواقعها الأصلية.
كان الهدف يتجاوز السيطرة العسكرية إلى منع إمكانية العودة، وإضعاف الذاكرة المكانية للأجيال القادمة.
بريطانيا: من الوعد إلى الرعاية غير المعلنة
إذا كان وعد بلفور يمثل الوجه السياسي للدعم البريطاني للمشروع الصهيوني، فإن الوثائق تشير إلى أبعاد أخرى أكثر تعقيدًا.
ففي الوقت الذي كانت السلطات البريطانية تفرض قيودًا صارمة على الفلسطينيين وتلاحق حيازة السلاح، كانت التنظيمات الصهيونية تنجح في بناء بنى عسكرية وصناعية سرية متطورة.
وتشير بعض التقارير إلى أن السلطات البريطانية أظهرت مستويات متفاوتة من التساهل مع هذه الأنشطة، رغم علمها بوجودها.
إضراب 1936: الفرصة الضائعة
تُظهر الوثائق أن الثورة الفلسطينية الكبرى وإضراب عام 1936 شكّلا تحديًا حقيقيًا للمشروع الصهيوني وللسلطة البريطانية معًا. وقد نجح الإضراب في إرباك الخطط السياسية والاقتصادية بصورة كبيرة، إلى درجة دفعت أطرافًا إقليمية ودولية إلى التدخل من أجل إنهائه.
وبالنسبة إلى كثير من المؤرخين، كان ذلك الإضراب واحدًا من أهم المنعطفات التي كان يمكن أن تغيّر مسار الصراع لو استمر بالزخم نفسه.
في الوقت الذي كانت فيه القوات الإسرائيلية تعاني ضغوطًا عسكرية في بعض الجبهات، جاءت الهدنات المتتالية لتمنحها فرصة لإعادة التنظيم والتسليح.
وتشير الوثائق إلى أن تثبيت الهدنة لم يكن مجرد إجراء إنساني أو دبلوماسي، بل تحول عمليًا إلى عامل رئيسي في ترسيخ الوجود الإسرائيلي، ومنحه الوقت اللازم للتحول من قوة مقاتلة إلى دولة قادرة على فرض الوقائع.
الثقة التي تحولت إلى ثغرة قاتلة
من أكثر الجوانب الإنسانية إيلامًا في الوثائق ما يتعلق بالعلاقات الاجتماعية بين بعض اليهود الصهاينة والعائلات الفلسطينية.
ففي قرى ومدن عديدة، كانت هناك علاقات عمل وجيرة وصداقة ممتدة لسنوات. لكن الوثائق تشير إلى أن بعض هذه العلاقات استُخدمت لاحقًا في جمع المعلومات التفصيلية عن القرى ومسالكها ونقاط ضعفها وتركيبتها الاجتماعية.
وهكذا تحولت الثقة الإنسانية، في بعض الحالات، إلى أداة استخباراتية ساهمت في تسهيل العمليات العسكرية اللاحقة.
لا تقدم الوثائق البريطانية المرفوع عنها السرية إجابات نهائية، بقدر ما تطرح أسئلة جديدة حول النكبة: كيف خسر الفلسطينيون حربًا حققوا فيها انتصارات ميدانية عديدة؟ وكيف تحول التفوق العددي العربي إلى عجز استراتيجي؟ وما حجم الدور الذي لعبته القوى الدولية والإقليمية في رسم النتيجة النهائية؟
