تحميل

إبحث

في الصميم

النفوذ الرقمي يعيد رسم خريطة الإعلام العربي

Futuristic media landscape with crowd and icons

لم تعد المنافسة بين القنوات الإخبارية العربية تُحسم أمام شاشات التلفزيون، بل انتقلت بصورة شبه كاملة إلى فضاء المنصات الرقمية، حيث أصبح الصراع الحقيقي يدور حول سلعة واحدة هي “الانتباه”.

ففي عالم تحكمه الخوارزميات، لم يعد عدد المتابعين وحده مؤشراً كافياً على النفوذ، إذ يمكن لقناة تمتلك عشرات الملايين من المتابعين أن تبدو أقل تأثيراً من منافس يملك نصف هذا العدد لكنه ينجح في تحريك جمهوره وإشراكه في المحتوى.

 

هذا التحول يكشف أن الإعلام الرقمي دخل مرحلة جديدة، انتقلت فيها المنافسة من بناء الجمهور إلى تنشيطه، ومن تراكم الأرقام إلى صناعة التفاعل. وهو ما تؤكده نتائج التقرير الشهري الصادر عن مرصد الإعلام العربي، الذي تابع أداء خمس من أكبر القنوات الإخبارية العربية — الجزيرة، والعربية، والحدث، والتلفزيون العربي، وسكاي نيوز عربية — عبر سبع منصات رقمية تشمل يوتيوب، وإكس، وإنستغرام، وفيسبوك، وتيك توك، وتيليغرام، وواتساب.

 

ويستند التقرير إلى ثلاثة مؤشرات رئيسية: حجم القاعدة الجماهيرية، ومعدل نموها الشهري، ومستوى التفاعل والمشاهدات، بما يسمح بالتمييز بين النفوذ المتراكم عبر السنوات، والنفوذ الذي يتجدد يومياً بفعل المحتوى.

 

وتبرز في تقرير يونيو 2026 حقيقتان متوازيتان. الأولى أن الجزيرة لا تزال اللاعب الأكثر تأثيراً في البيئة الرقمية العربية، إذ تتصدر معظم مؤشرات التفاعل والنمو، وتحافظ على موقعها الأول في مشاهدات يوتيوب، بينما تتصدر أيضاً منصات إكس وإنستغرام وتيك توك بفوارق واسعة عن منافسيها. أما الحقيقة الثانية فتتمثل في الصعود اللافت للتلفزيون العربي على يوتيوب، بعدما أضاف خلال شهر واحد نحو 47 مليون مشاهدة، بنسبة نمو تجاوزت 26 في المئة، وهو ما قلص الفجوة مع الجزيرة من أكثر من مئة مليون مشاهدة في مايو إلى أقل من أربعين مليوناً في يونيو.

الإعلام الذي لا يحرّك جمهوره… يتحول إلى مجرد أرشيف رقمي

وتبرز في تقرير يونيو 2026 حقيقتان متوازيتان. الأولى أن الجزيرة لا تزال اللاعب الأكثر تأثيراً في البيئة الرقمية العربية، إذ تتصدر معظم مؤشرات التفاعل والنمو، وتحافظ على موقعها الأول في مشاهدات يوتيوب، بينما تتصدر أيضاً منصات إكس وإنستغرام وتيك توك بفوارق واسعة عن منافسيها. أما الحقيقة الثانية فتتمثل في الصعود اللافت للتلفزيون العربي على يوتيوب، بعدما أضاف خلال شهر واحد نحو 47 مليون مشاهدة، بنسبة نمو تجاوزت 26 في المئة، وهو ما قلص الفجوة مع الجزيرة من أكثر من مئة مليون مشاهدة في مايو إلى أقل من أربعين مليوناً في يونيو.

ورغم اختلاف هاتين النتيجتين، فإنهما تعكسان اتجاهاً واحداً أكثر عمقاً، يتمثل في اتساع الفجوة بين حجم الجمهور المسجل، وبين القدرة الحقيقية على جذب انتباهه وتحفيزه على التفاعل.

الصورة أكثر تعقيداً

تبلغ الحصيلة الإجمالية لمتابعي القنوات الخمس نحو 410 ملايين حساب عبر مختلف المنصات، غير أن هذا الرقم لا يعكس عدد الأفراد الفعليين، لأن المستخدم الواحد قد يتابع القناة نفسها عبر أكثر من منصة، فيُحتسب مرات عدة. ولذلك فإن الرقم يعبر عن حجم الحضور الرقمي أكثر مما يعبر عن حجم الجمهور الحقيقي.

وبحسب هذا المؤشر، تحافظ الجزيرة على المركز الأول بنحو 115.5 مليون متابع، تليها العربية بأكثر من 106 ملايين، ثم التلفزيون العربي بنحو 70 مليوناً، فالحدث، وأخيراً سكاي نيوز عربية.

غير أن توزيع هذا الجمهور يكشف اختلافاً في الاستراتيجيات الرقمية. فقد بنت العربية والحدث وسكاي نيوز القسم الأكبر من قواعدها الجماهيرية على فيسبوك، بينما نجحت الجزيرة والتلفزيون العربي في توزيع حضورهما بصورة أكثر توازناً بين المنصات المختلفة، وهو ما وفر لهما قدرة أكبر على التكيف مع تغيرات الخوارزميات وسلوك المستخدمين.

لكن الصورة تتغير بمجرد الانتقال إلى معدلات النمو. فالجزيرة أضافت خلال يونيو نحو 932 ألف متابع جديد، متصدرة جميع القنوات، تلتها مباشرة قناة التلفزيون العربي بإضافة قاربت 840 ألف متابع، بينما جاءت سكاي نيوز ثالثة، ثم العربية، فالحدث.

ويشير هذا الترتيب إلى أن حجم القاعدة الجماهيرية لم يعد يضمن استمرار النمو، إذ جاءت قنوات تحتل مراكز متقدمة من حيث عدد المتابعين في ذيل قائمة التوسع الشهري، بما يوحي بأن بعض القواعد الجماهيرية بلغت مرحلة التشبع، بينما لا تزال قنوات أخرى قادرة على جذب شرائح جديدة من المستخدمين.

 

media_banner_no_text
الانتباه أصبح العملة الأغلى في الإعلام الرقمي

الجزيرة… الحضور الذي يتحول إلى تفاعل

أوضح مؤشرات التقرير يتمثل في قدرة الجزيرة على تحويل جمهورها إلى جمهور متفاعل.

فعلى منصة إكس، تمتلك القناة نحو ثلث المتابعين فقط، لكنها تستحوذ على أكثر من نصف إجمالي التفاعل المسجل بين القنوات الخمس، في دلالة على أن حضورها يتجاوز وزنها العددي.

ويتكرر المشهد بصورة أوضح على إنستغرام، حيث تحصد ما يقرب من ثلثي التفاعل، إلى جانب تصدرها نمو المتابعين ومشاهدات الفيديو، بينما تفرض حضورها أيضاً على تيك توك، رغم أن العربية تمتلك هناك قاعدة جماهيرية أكبر عدداً.

أما فيسبوك، فقد كان المنصة الوحيدة التي كسرت هذا النمط، إذ تقاسم التلفزيون العربي والجزيرة الصدارة في التفاعل، مستحوذين معاً على ما يقارب ثلاثة أرباع النشاط، رغم أن حصتهما من المتابعين تقل كثيراً عن هذه النسبة.

وفي المقابل، بدت الفجوة واضحة لدى بعض القنوات التي تمتلك قواعد جماهيرية ضخمة، لكنها تحقق مستويات تفاعل متواضعة نسبياً، وهو ما يعكس تراجعاً في قدرة الجمهور على التفاعل مع المحتوى، أو تغيراً في طبيعة استهلاك الأخبار على تلك المنصات.

عندما يصبح التفاعل أهم من الجمهور

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في التقرير هو ما يمكن تسميته بـ”كفاءة التفاعل”، أي مقارنة نسبة التفاعل بحصة كل قناة من إجمالي المتابعين.

فحين تتجاوز هذه النسبة الواحد الصحيح، فهذا يعني أن القناة تحقق تفاعلاً يفوق وزنها الجماهيري، بينما تشير القيم الأقل إلى أن جزءاً كبيراً من الجمهور يبقى ساكناً.

وبهذا المقياس، حققت الجزيرة نتائج تفوق المتوسط على معظم المنصات، بينما سجل التلفزيون العربي أفضل أداء على يوتيوب، في حين بقيت العربية والحدث وسكاي نيوز دون مستوى التوازن عبر جميع المنصات تقريباً.

وتكشف هذه الأرقام أن امتلاك أكثر من نصف الجمهور الرقمي العربي لم يعد يعني بالضرورة امتلاك أكثر من نصف التأثير، بل إن القدرة على تنشيط الجمهور أصبحت المعيار الأكثر حسماً في البيئة الرقمية الجديدة.

يوتيوب… ساحة التحول الأكبر

كان يوتيوب المنصة الأكثر ديناميكية خلال يونيو. فقد احتفظت الجزيرة بالصدارة من حيث المشاهدات، لكنها سجلت تراجعاً نسبياً مقارنة بالشهر السابق، في حين حقق التلفزيون العربي أكبر قفزة شهرية، مضيفاً نحو 47 مليون مشاهدة جديدة، وهو ما جعله يقترب بصورة غير مسبوقة من المركز الأول.

وتبدو المقارنة أكثر دلالة عند النظر إلى عدد المشتركين. فالعربية تمتلك ما يقارب ضعف عدد مشتركي التلفزيون العربي، إلا أن الأخير حقق مشاهدات تقارب ثلاثة أضعاف منافسه، وهو فارق يعكس أن كثافة الجمهور لا تترجم بالضرورة إلى كثافة في المشاهدة.

كما تصدر التلفزيون العربي نمو المشتركين الجدد، بينما اكتفت العربية بإضافة عدد محدود للغاية، في مؤشر قد يعكس وصولها إلى مرحلة من التشبع الجماهيري، أو تراجع قدرتها على استقطاب مستخدمين جدد.

أما من حيث التفاعل، فقد ذهبت الحصة الأكبر أيضاً إلى التلفزيون العربي، تلاه مباشرة الجزيرة، بينما جاءت القنوات الأخرى بفارق كبير، في انسجام واضح بين مؤشري المشاهدة والتفاعل.

تطبيقات المراسلة… نهاية الرهان؟

إذا كانت المنصات الاجتماعية تعكس تفاوتاً واضحاً في الأداء بين القنوات، فإن تطبيقات المراسلة قدمت نتيجة مختلفة تماماً.

فخلال يونيو، خسرت جميع القنوات الخمس مشتركين على تيليغرام وواتساب دون استثناء، رغم أن هذه التطبيقات كانت حتى وقت قريب تمثل وسيلة مثالية للوصول المباشر إلى الجمهور بعيداً عن تحكم الخوارزميات.

ورغم أن حجم هذه الخسائر يبقى محدوداً مقارنة بقاعدة المتابعين الإجمالية، فإن أهميتها تكمن في أنها شملت الجميع، وهو ما يوحي بأن التراجع مرتبط بطبيعة المنصة نفسها أكثر من ارتباطه بجودة المحتوى أو أداء المؤسسات الإعلامية.

ويبدو أن جمهور الأخبار بات يفضل استهلاك المحتوى داخل البيئات التي تدمج الفيديو والتفاعل والتوصيات الذكية، بدلاً من الاكتفاء بتلقي الروابط والإشعارات داخل تطبيقات المراسلة.

تكشف نتائج يونيو 2026 أن الإعلام العربي يعيش مرحلة إعادة تعريف لمفهوم النفوذ. فلم يعد النجاح يقاس بحجم الجمهور المتراكم عبر السنوات، بل بقدرة المؤسسة الإعلامية على تحويل هذا الجمهور إلى مجتمع حي يتفاعل مع المحتوى ويعيد إنتاجه ونشره.

وفي هذا السياق، تبدو الجزيرة الأكثر نجاحاً في إدارة هذا التحول، بينما يبرز التلفزيون العربي بوصفه أسرع القنوات نمواً على يوتيوب، في حين تواجه قنوات أخرى تحدي تحويل قواعدها الجماهيرية الكبيرة إلى تأثير فعلي.

 

 

وهكذا، لم تعد معركة الإعلام تدور حول من يملك الجمهور الأكبر، بل حول من يستطيع أن يكسب انتباهه كل يوم، في فضاء رقمي لا يعترف إلا بالحركة، ويعاقب الركود مهما بلغ حجم الإرث الجماهيري.
al-Post
العلامات

يعجبك ايضاً

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا