تحميل

إبحث

في الصميم

مَن يحاكم الصحفيين… القاضي أم الخوارزمية؟

Press trial

لم يَعُد الذكاء الاصطناعي يقتصر على كتابة الأخبار أو تلخيصها أو مساعدة غرف الأخبار في إنتاج المحتوى، بل بدأ يقترب من مساحة أكثر حساسية، تتمثّل في إصدار الأحكام على الصحفيين وتقييم مصداقيتهم. وبينما يُسوَّق لهذه الأدوات باعتبارها وسيلة لتعزيز الشفافية والمساءلة، يخشى كثيرون أن تتحوّل إلى آلية جديدة للضغط على الإعلام، ولا سيّما عندما تصبح العدالة الرقمية خدمة تُشترى بالمال.

في أبريل/نيسان الماضي، تلقّى الصحفي الأميركي غاري بوم، العامل في مجلة «هوليوود ريبورتر»، رسالة إلكترونية غير مألوفة، تُخطره بأنه أصبح طرفًا في قضية تنظر فيها محكمة تعمل بالذكاء الاصطناعي. لم تكن الرسالة صادرة عن جهة قضائية رسمية، وإنما عن منصة خاصة تحمل اسم «Objection AI»، وهي شركة أعلنت عن خدمة تحكيم مدفوعة تعتمد على نماذج الذكاء الاصطناعي للفصل في النزاعات المتعلقة بالتغطية الصحفية، مقابل رسوم تبدأ من ألفَي دولار، وقد تصل إلى 15 ألف دولار.

وتتيح المنصة لأي شخص يعتبر نفسه متضررًا من تقرير صحفي أن يرفع شكوى مقابل رسوم مالية، بينما يتولّى مراجعة الملف محققون سابقون عملوا في مؤسسات أميركية، مثل وكالة الاستخبارات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي، قبل أن تُحال القضية إلى لجنة تضم نماذج ذكاء اصطناعي من شركات كبرى، مثل «OpenAI» و«Anthropic» و«Google» و«Mistral» و«xAI»، لتصدر قرارها خلال 72 ساعة فقط.

ورغم أن هذه الأحكام لا تتمتع بأي صفة قانونية، فإن المنصة كانت تعلن نيتها نشرها في سجل إلكتروني، باعتبارها مؤشرًا على النزاهة المهنية أو العكس، وهو ما أثار تساؤلات حول قدرة مثل هذه التصنيفات على التأثير في سمعة الصحفيين ووسائل الإعلام، حتى من دون أي قوة قانونية مُلزمة.

ويثير المشروع مزيدًا من الجدل بسبب خلفية مؤسسه، المحامي الأسترالي آرين دي سوزا، الذي سبق أن شارك في الحملة القانونية السرية التي موّلها الملياردير بيتر ثيل ضد موقع «Gawker» قبل نحو عقد، وانتهت بإفلاس الموقع بعد صدور حكم قضائي بتعويضات بلغت 140 مليون دولار بسبب انتهاك الخصوصية، وليس بسبب نشر معلومات كاذبة. ويرى منتقدون أن استحضار تلك التجربة لتبرير إنشاء منصة لتقييم الصحفيين يخلط بين حماية الخصوصية ومحاسبة العمل الصحفي، وهما مساران قانونيان مختلفان.

حين تتولى الشركات الخاصة تقييم الصحفيين، تصبح الحقيقة خاضعة لمن يدفع رسومها

ولم تقتصر الانتقادات على فكرة المحكمة الافتراضية، بل امتدت إلى آليات عملها. فقد نصحت الشركة الأشخاص بعدم إجراء مقابلات صحفية إلا بعد توقيع الصحفي على اتفاق يقضي بإحالة أي نزاع مستقبلي إلى منصة التحكيم الخاصة بها. كما طوّرت أداة كانت تضع علامة «قيد التحقيق» على التقارير المنشورة عبر منصة «إكس» بمجرد تقديم شكوى، حتى قبل التحقق من الأدلة أو سماع رد الصحفي، وهو ما اعتبره خبراء تقويضًا لمبدأ افتراض البراءة.

ولم يكن أول المستفيدين من هذه الخدمة أفرادًا عاديين، بل شخصيات نافذة، من بينهم أحد ورثة عائلة ساكلر، التي ارتبط اسمها بأزمة المسكنات الأفيونية في الولايات المتحدة. كما تضمّنت طلبات المراجعة تقارير نشرتها صحف مرموقة، مثل «نيويورك تايمز» و«وول ستريت جورنال».

وتستند الشركة، في تبرير مشروعها، إلى تراجع ثقة الجمهور الأميركي بوسائل الإعلام، وهي ظاهرة وثّقتها استطلاعات مؤسسة «غالوب»، التي أظهرت انخفاض الثقة إلى نحو 28 في المئة، بعدما كانت تقارب 70 في المئة خلال سبعينيات القرن الماضي. غير أن معالجة أزمة الثقة عبر منصات خاصة مدفوعة تثير، بدورها، أسئلة حول استقلالية هذه التقييمات، وإمكان تحوّلها إلى أداة ضغط جديدة على المؤسسات الإعلامية.

وبعد أشهر من إطلاق المشروع، اختفت المنصة من الإنترنت، قبل أن تعود في منتصف يوليو/تموز الماضي بهوية مختلفة تحت اسم «The Primary». لكن النسخة الجديدة تخلّت عن فكرة المحكمة الافتراضية، واستبدلت بها منصة لتقييم نحو 20 ألف صحفي، اعتمادًا على ملايين المقالات التي شاركوا في إنتاجها، مع التنويه إلى أن النتائج مجرد تقييمات آلية تعبّر عن رأي الخوارزمية، وليست أحكامًا نهائية.

ورغم هذا التغيير، لم تتراجع المخاوف. فالعديد من المدافعين عن حرية الصحافة يحذّرون من انتقال مثل هذه النماذج إلى دول تفتقر أصلًا إلى الضمانات القانونية الكافية لحماية الصحفيين. وفي بيئات تعاني من هشاشة المؤسسات القضائية وضعف استقلال الإعلام، قد تتحوّل التقييمات الآلية إلى وسيلة لتشويه السمعة أو ممارسة ضغوط سياسية واقتصادية على الصحفيين، من دون المرور بالإجراءات القضائية التقليدية.

ولا يقتصر الخطر على فكرة «المحكمة» نفسها، بل يمتد إلى منح الخوارزميات سلطة معنوية في تحديد مَن هو الصحفي الموثوق، ومَن هو الصحفي المضلّل، في وقت لا تزال فيه هذه الأنظمة تعاني من أخطاء منهجية، وتفتقر إلى الشفافية الكاملة بشأن معاييرها وآليات تدريبها.

ربما تبدو المحاكم التقليدية بطيئة في نظر كثيرين، لكن هذا البطء يعكس طبيعة العدالة نفسها؛ فهي تقوم على فحص الأدلة، والاستماع إلى جميع الأطراف، وإتاحة حق الدفاع والطعن والاستئناف. أمّا الوعد بإصدار «حقيقة» جاهزة خلال ثلاثة أيام بواسطة خوارزمية، فهو يختزل عملية معقدة في قرار سريع، ويثير سؤالًا جوهريًا: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد العدالة، أم أنه قد يصبح، في بعض الحالات، أداة لشراء أحكام معنوية لمَن يملك القدرة على الدفع؟
al-Post
العلامات

يعجبك ايضاً

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا