تحميل

إبحث

في الصميم

شطب 21 مليار دولار… الخسائر للناس والنجاة للمصارف

expressive_art2

لم يَعُدِ السؤال في لبنان: كيف ستُعاد الودائع؟ بل كيف سيُشرعَن اقتطاعها؟ فالخطة المسرَّبة المنسوبة إلى مصرف لبنان، والتي جرى تداولها بين المصارف، لا تبدو مشروعًا لإعادة الثقة بالقطاع المالي، بقدر ما تبدو محاولة لإضفاء الشرعية القانونية على أكبر عملية نقل للخسائر من الدولة والمصارف إلى المودعين.

إذا صحَّت البنود المتداولة، فإنها تعني، ببساطة، شطب نحو 21 مليار دولار من الودائع، وتقسيط أول مئة ألف دولار على سبع سنوات، فيما تتحول الأموال التي تزيد على ذلك إلى سندات تمتد آجالها بين عشرين وثلاثين عامًا. أي إن صاحب الوديعة لن يسترد أمواله، بل سيحصل على وعد طويل الأجل، قد لا يعيش هو نفسه حتى يرى نهايته.

الانهيار مرّتان

المفارقة أن الدولة التي أخفقت في حماية النظام المصرفي، والمصارف التي راكمت الأرباح لعقود من الهندسات المالية والفوائد الخيالية، لا تتحملان العبء الأكبر في الخطة، بل يُطلب من المودع أن يدفع ثمن الانهيار مرتين: مرة عندما حُجزت أمواله، ومرة عندما يُطلب منه اليوم القبول بإطفاء جزء منها، وتحويل الجزء الآخر إلى أوراق مالية طويلة الأجل.

هذا ليس برنامجًا لإعادة هيكلة القطاع المصرفي، بل إعادة هيكلة لحقوق الملكية نفسها. فالوديعة، التي يُفترض أنها دَين مستحق وفوري على المصرف، تتحول إلى استثمار قسري طويل الأمد، من دون أن يكون للمودع حق الاختيار. إنها مصادرة مقنَّعة بلغة مالية وقانونية.

الأخطر أن هذه المقاربة تهدد ما تبقى من ثقة بلبنان، دولةً واقتصادًا. فمن سيودع دولارًا واحدًا في أي مصرف لبناني، إذا كانت السابقة القانونية ستقول إن الوديعة يمكن أن تتحول، بقرار إداري، إلى سند يمتد ثلاثين عامًا؟ إن القطاع المصرفي لا يقوم على الأبنية الفخمة، ولا على رساميل المساهمين وحدها، بل على الثقة، والثقة لا تُستعاد بفرض الخسائر على الضحية.

المودع سيدفع ثمن الانهيار مرتين: حين حُجزت أمواله، وحين يُطلب منه شطب جزء منها

العدالة الانتقائية

اقتصاديًا، قد يجادل البعض بأن توزيع الخسائر أمر لا مفر منه، وأن حجم الفجوة المالية يجعل من المستحيل إعادة كل الودائع نقدًا. هذا صحيح جزئيًا، لكنه لا يبرر أن تكون العدالة انتقائية. فالمبدأ العالمي في الأزمات المالية هو تحميل الخسائر وفق تسلسل واضح يبدأ بالمساهمين، ثم أصحاب الرساميل، ثم الجهات التي استفادت من المخاطر، لا أن يبدأ بالمودع الذي لم يكن شريكًا في القرار المالي، ولا في السياسات النقدية التي أوصلت البلاد إلى الانهيار.

أما سياسيًا، فإن الخطة تعكس استمرار النهج نفسه الذي حكم لبنان منذ عام 2019: شراء الوقت بدلًا من معالجة الأسباب. فلا إصلاحات جذرية، ولا محاسبة للمسؤولين عن الانهيار، ولا رؤية اقتصادية تعيد تكوين الثروة، بل مجرد إعادة توزيع للخسائر تحت مسميات تقنية.

والأكثر إثارة للقلق أن تحويل الودائع إلى سندات طويلة الأجل يربط مصير أموال اللبنانيين بمستقبل دولة تعاني أصلًا من مديونية مرتفعة، وعجز مالي مزمن، وأزمات سياسية متكررة. أي إن المودع لن يتحمل مخاطر المصرف فحسب، بل أيضًا مخاطر الدولة لعقود مقبلة.

قد ينجح هذا الطرح في تخفيف الضغط الآني عن المصارف، لكنه لن يعيد الثقة، ولن يجذب استثمارات، ولن يعيد لبنان إلى الخريطة المالية. فالاقتصادات لا تنهض بإعادة تعريف حقوق المودعين، بل بإعادة تعريف مسؤولية الدولة، ومحاسبة مَن تسبب بالانهيار.

expressive_art
من سيضع دولارًا في مصرف يعرف أن وديعته قد تتحول بقرار إلى وعد يمتد ثلاثين عامًا
إذا كانت هذه هي الخطة النهائية، فإنها لا تؤسس لولادة قطاع مصرفي جديد، بل تعلن رسميًا نهاية العقد الأخلاقي والقانوني بين المصرف والمودع. وعندما يصبح استرجاع الوديعة مؤجلًا إلى ثلاثين عامًا، فإن المشكلة لم تعد أزمة سيولة، بل أزمة عدالة، وأزمة دولة، وأزمة نظام فقد القدرة على الاعتراف بمسؤولياته، قبل أن يطالب ضحاياه بدفع الفاتورة.
al-Post
العلامات

يعجبك ايضاً

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا