تحميل

إبحث

في الصميم

الفيل اللبناني… في انتظار الوظيفة

Tethered Elephant at the Innovation Queue

ليست أزمة لبنان الاقتصادية محصورة بانهيار العملة، أو إفلاس المصارف، أو عجز الدولة عن تنفيذ الإصلاحات، فهذه كلها نتائج لأزمة أعمق تتمثل في الطريقة التي صاغ بها المجتمع اللبناني مفهوم العمل والنجاح الاقتصادي على مدى عقود.

فمنذ السنوات الأولى في المدرسة، يُلقَّن الطفل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أن مستقبله مرهون بالحصول على شهادة جامعية تعقبها وظيفة مستقرة، وأن الراتب الشهري هو الغاية التي يجب أن تدور حولها حياته. ومع مرور السنوات، تتحول هذه الفكرة إلى عقيدة اجتماعية لا تقبل النقاش، حتى يصبح التفكير خارج إطار الوظيفة أقرب إلى المغامرة غير المحسوبة، رغم أن الاقتصاد العالمي تغيّر جذريًا، وأصبحت الثروة تُصنع بطرق لم تكن موجودة قبل عقدين فقط.

ولعل القصة الرمزية للفيل الذي يُربط منذ صغره بحبل ضعيف تختصر هذه الحالة النفسية والاقتصادية بدقة. فالفيل الصغير يحاول مرارًا أن يقطع الحبل، لكنه يفشل بسبب ضعف قوته، ومع تكرار الفشل يقتنع بأن التحرر مستحيل. وعندما يكبر ويصبح قادرًا على اقتلاع الأشجار وتحطيم الصخور، يبقى واقفًا أمام الحبل نفسه، ليس لأن الحبل قوي، وإنما لأن القيد الحقيقي لم يعد في ساقه، بل في عقله.

وهذه الصورة تنطبق، إلى حد بعيد، على أجيال كاملة في لبنان تربّت على أن الوظيفة هي الطريق الوحيد للأمان، وأن كل محاولة لبناء مشروع، أو استثمار فكرة، أو خوض تجربة مستقلة، تنتهي بالخسارة والإفلاس.

أكبر ثروة يملكها لبنان ليست في المصارف ولا في الأرض… بل في عقل اللبناني حين يتحرر من الخوف

المشكلة ليست في الوظيفة بحد ذاتها، فالوظيفة كانت وما زالت خيارًا كريمًا لملايين البشر، وهي ضرورة لأي اقتصاد سليم، لكنها في لبنان تحولت إلى ثقافة احتكارية ألغت كل الخيارات الأخرى.

فأصبح الشاب يقضي أكثر من ستة عشر عامًا في التعليم، لا ليكتشف قدراته، أو يبتكر مشروعًا، أو يصنع قيمة اقتصادية، وإنما ليقف في نهاية المطاف في طابور طويل بانتظار فرصة عمل قد لا تأتي أصلًا. والأسوأ من ذلك أن كثيرًا ممن يحصلون على هذه الفرصة يكتشفون سريعًا أن الراتب لم يعد يكفي لمواجهة تكاليف الحياة، وأن الاستقرار الذي وُعدوا به لم يكن سوى وهم آخر في سلسلة طويلة من الأوهام الاقتصادية.

واقع جديد

لقد أنتج الانهيار المالي في لبنان واقعًا غير مسبوق؛ فالقطاع العام أصبح عاجزًا عن استيعاب الموظفين، والقطاع الخاص تقلّص بصورة كبيرة، والاستثمارات تراجعت، فيما تستمر الجامعات في تخريج آلاف الشباب وفق نموذج اقتصادي لم يعد موجودًا.

وما يزيد المفارقة قسوة أن النظام التعليمي لا يزال يهيّئ الطلاب لسوق عمل تقليدية، بينما ينتقل العالم بسرعة نحو اقتصاد المعرفة، والاقتصاد الرقمي، والعمل الحر، وريادة الأعمال، حيث أصبحت الحدود الجغرافية أقل أهمية من المهارة والابتكار.

ولو تأملنا في قصص النجاح اللبنانية حول العالم، لاكتشفنا أن معظمها لم يولد داخل وظيفة حكومية أو في مؤسسة تقليدية، بل نشأ من مبادرات فردية، ومشروعات خاصة، وشركات ناشئة استطاعت أن تتحول إلى علامات تجارية عالمية.

فالعقل اللبناني أثبت في الخليج وأوروبا وأميركا وأفريقيا أنه يمتلك قدرة استثنائية على الابتكار والتكيّف، لكن هذه القدرة كثيرًا ما تصطدم داخل لبنان بثقافة اجتماعية ترى في الوظيفة نهاية الطريق، لا بدايته.

إن أخطر ما يواجه الاقتصاد اللبناني اليوم ليس فقط هجرة الرساميل، بل هجرة العقول التي فقدت ثقتها بإمكانية بناء مستقبلها داخل وطنها. فالطبيب والمهندس والمبرمج والمصمم والصحافي لا يغادرون لأنهم يفتقرون إلى الكفاءة، بل لأن البيئة الاقتصادية لا تمنحهم فرصة لتحويل كفاءاتهم إلى مشاريع منتجة وقادرة على النمو.

لذلك، فإن أي حديث عن إنقاذ الاقتصاد اللبناني سيظل ناقصًا إذا اقتصر على إصلاح النظام المصرفي، أو إعادة هيكلة الدين العام، أو جذب الاستثمارات الخارجية، لأن الإصلاح الحقيقي يبدأ من إعادة تعريف مفهوم العمل نفسه.

فالمطلوب أن يتحول التعليم من مصنع لإنتاج طالبي وظائف إلى بيئة تُخرّج صانعي فرص، وأن تتجه السياسات العامة إلى تشجيع ريادة الأعمال، وتسهيل تأسيس الشركات الصغيرة، وتوفير التمويل للمشروعات الناشئة، ودمج مهارات الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والعمل عن بُعد في المناهج التعليمية، حتى يصبح الشاب اللبناني قادرًا على المنافسة في السوق العالمية، لا أسيرًا لسوق محلية تعاني الانكماش.

إن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه لبنان على نفسه اليوم ليس: كم وظيفة جديدة يستطيع أن يوفّر؟ بل: كم رائد أعمال يستطيع أن يصنع؟ وكم شركة ناشئة يمكن أن تتحول إلى مصدر لتوظيف الآخرين؟

فالدول التي حققت قفزات اقتصادية لم تفعل ذلك لأنها وظّفت جميع مواطنيها، بل لأنها خلقت بيئة أنتجت شركات ومبتكرين ومصدّرين للمعرفة والتكنولوجيا.

إن قصة الفيل ليست مجرد حكاية عن حبل ضعيف، بل هي وصف دقيق لمجتمع قد يقبل، من دون أن يشعر، بقيود صنعها الخوف أكثر مما صنعتها الوقائع.

ولبنان، رغم كل ما أصابه من انهيار، لا يزال يمتلك ثروة لا تستطيع الأزمات المالية مصادرتها، وهي الإنسان اللبناني. لكن هذه الثروة لن تتحول إلى قوة اقتصادية حقيقية ما لم يتحرر العقل أولًا من فكرة أن الوظيفة هي نهاية الطموح، وأن الراتب الشهري هو السقف الأعلى للأحلام. فعندما ينجح اللبناني في قطع ذلك الحبل الذهني، سيدرك أن الاقتصاد لا يصنعه من ينتظر الفرصة، بل من يخلقها.
al-Post
العلامات

يعجبك ايضاً

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا