من ممر داوود إلى لبنان… خريطة استنزاف سوريا
لا يكمن الخطر الإسرائيلي على سوريا فقط في إضعافها أو مهاجمتها مباشرة، فالهجوم المباشر، مهما بلغت خطورته، يبقى واضحاً ومقروءاً ويمكن تحديد أهدافه ومساراته. الأخطر ربما هو ذلك النوع غير المنظور من الاستنزاف، الذي لا يسعى إلى إسقاط الدولة بضربة واحدة، بل إلى إنهاكها وإغراقها تدريجياً في أزمات مفتوحة تستنزف قرارها وقدرتها على بناء دولة مستقرة.
ثمة مسار إسرائيلي واضح يقوم على اللعب على التناقضات الداخلية السورية، وإعادة إنتاج خطوط الانقسام والتوتر. الحديث عن «ممر داوود»، ومحاولات الاستثمار في الملف الكردي، واستحضار الورقة العلوية، وما يجري في السويداء، فضلاً عن مشاريع التقسيم وإعادة رسم خرائط النفوذ. كل ذلك يندرج في استراتيجية واحدة عنوانها إبقاء سوريا في حالة قلق دائم، ومنعها من استعادة عافيتها السياسية والجغرافية والاقتصادية.
المستنقع اللبناني
لكن ثمة ملفاً آخر لا يحظى بالقدر نفسه من النقاش: استنزاف سوريا عبر لبنان.
الفكرة هنا ليست أن تدخل سوريا حرباً شاملة مع إسرائيل، وإنما أن تجد نفسها، تحت عناوين أمنية وسياسية مختلفة، مدفوعة إلى الانخراط مجدداً في الساحة اللبنانية، فتتحول الحدود اللبنانية إلى مصدر استنزاف جديد للدولة السورية، في وقت تحاول فيه دمشق الخروج من إرث سنوات طويلة من الحرب والانقسام.
وهنا تكتسب تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب أهمية خاصة، خصوصاً عندما تحدث عن ضرورة ألا تنجر سوريا إلى حرب أو عملية عسكرية في لبنان. وقد تكرر هذا الطرح في مواقف مرتبطة بالرئيس السوري أحمد الشرع، ثم في سياق الحديث الأميركي عن العلاقة بين سوريا ولبنان والرئيس اللبناني جوزيف عون.
المسألة ليست تفصيلاً عابراً. فمنذ عام 1976 دخلت سوريا لبنان تحت عنوان «قوات الردع العربية»، قبل أن يتحول الوجود السوري إلى نفوذ سياسي وعسكري واسع امتد لعقود. واليوم، يبدو أن هناك من يريد إعادة إنتاج الفكرة بصورة مختلفة: أن تتحمل دمشق عبئاً لبنانياً جديداً، وأن تصبح سوريا جزءاً من معادلة أمنية يفترض أن تمنع إسرائيل من القيام بما لا تريد القيام به مباشرة.
وهنا تكمن المفارقة. فقد يكون المطلوب، بطريقة أو بأخرى، أن تحمل سوريا العبء الذي كان يمكن أن تتحمله إسرائيل أو أن تفرضه إسرائيل بالقوة. أي أن تتحول دمشق من دولة تحاول تثبيت حدودها واستعادة مؤسساتها إلى طرف مطلوب منه إدارة أزمة لبنانية معقدة، بما تحمله من انقسامات سياسية وطائفية وأمنية، وربما الدخول في مواجهة عسكرية مفتوحة لا تملك ترف تحمل نتائجها.
والولايات المتحدة تملك في الحالة السورية أدوات ضغط هائلة، العقوبات ورفعها، العلاقة مع إسرائيل، القدرة على التأثير في مسارات الاعتراف والدعم الدولي، فضلاً عن أوراق أخرى تجعل هامش الحركة السورية شديد الحساسية. ولذلك فإن أي دعوة أميركية إلى سوريا للانخراط في لبنان لا يمكن قراءتها بمعزل عن موازين القوة التي تحيط بدمشق.
تجاوز الجراح
من هنا، تبدو أهمية موقف الشرع في إعلانه أن سوريا تجاوزت جراحها، وأنها تتعامل اليوم بمنطق الدولة لا بمنطق الثورة، وأنها ليست في وارد الدخول عسكرياً بصورة مباشرة في لبنان. هذه مواقف ثمينة، لأنها تعني أن دمشق تحاول للمرة الأولى منذ عقود أن تفصل بين مسؤولية الدولة السورية تجاه أمنها الوطني وبين الأدوار الإقليمية التي استنزفتها سابقاً. لكن الأهم أن يتحول هذا الموقف من تصريح سياسي إلى مبدأ ثابت.
فلبنان ليس تفصيلاً صغيراً في الجغرافيا السورية، لكنه أيضاً ليس قدراً محتوماً على سوريا أن تعود إليه كلما تغيرت موازين القوى. وأي محاولة لإعادة دمشق إلى المستنقع اللبناني، تحت أي عنوان، قد تكون في النهاية جزءاً من معركة أكبر هدفها إبقاء سوريا ضعيفة، منشغلة بجوارها، ومحرومة من فرصة بناء دولة تنظر إلى الداخل بدلاً من أن تستهلك نفسها في أزمات الآخرين.
قد ال يكون الخطر الإسرائيلي على سوريا، إذاً دائماً صاروخاً يسقط على موقع عسكري. أحياناً يكون الخطر الأكبر أن يُدفع بلد بأكمله إلى معركة ليست معركته، وأن يُطلب منه أن يدفع كلفة حرب لا يختار توقيتها ولا أهدافها.
وهنا بالضبط يجب أن تنتبه دمشق: ليس كل ما يبدو دعوة إلى حماية لبنان هو بالضرورة حماية لسوريا.
