أين ذهبت أموال اللبنانيين؟ الذكاء الاصطناعي قد يملك الإجابة

كان المبلغ سنتًا واحدًا، لكن الدرس كان يساوي مليارات.
فالمشكلة لم تعد في قدرة الذكاء الاصطناعي على فهم البيانات، بل في ماذا يستطيع أن يفعل بعد أن يفهمها. المساعد الذي كان يكتفي بالإجابة عن سؤال العميل يتحول تدريجيًا إلى «وكيل» يستطيع قراءة البيانات، والاتصال بأنظمة أخرى، واستخدام أدوات مالية، وتنفيذ سلسلة من الأوامر، واتخاذ قرارات بسرعة لا يستطيع الموظف البشري مجاراتها. وهنا تبدأ القصة اللبنانية.
الحالة اللبنانية
إذا كان بالإمكان زرع تعليمات داخل تحويل مالي صغير لخداع وكيل مصرفي، فلماذا لا نستخدم الوكلاء أنفسهم في الاتجاه المعاكس، لتعقّب التحويلات الكبيرة، ورسم شبكات المستفيدين، ومقارنة الحسابات، وتحليل حركة الأموال قبل الأزمة وبعدها، وربط الشركات والحسابات والصفقات والعقارات والتحويلات العابرة للحدود، ثم وضع خريطة كاملة تقول للمودع اللبناني: أين ذهبت أموالك؟
قد يبدو السؤال استفزازيًا، لكنه في لبنان لم يعد ترفًا فكريًا. منذ انهيار النظام المالي في تشرين الأول/أكتوبر 2019، يعيش مئات الآلاف من المودعين مع أموال عالقة داخل النظام المصرفي.
وبعد سنوات من الأزمة، لا يزال السؤال الأكثر بساطة هو الأكثر إيلامًا: أين ذهبت الأموال؟ ومن استفاد؟ ومن يجب أن يدفع؟ هنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتحول من أداة تخيف المصارف إلى أداة تخيف الفاسدين.
فإذا كانت المصارف الكبرى في العالم تستثمر في وكلاء قادرين على مراقبة المدفوعات، وإدارة السيولة، وتحليل المخاطر، فلماذا لا يكون هناك مشروع وطني مستقل يستخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات المصرفية والمالية المتاحة قانونيًا، وبناء شبكة تربط حركة الأموال بالقرارات السياسية والمالية التي سبقت الانهيار وتلته؟
ليس المطلوب أن يصبح الذكاء الاصطناعي قاضيًا أو محققًا أو جهة تصدر الأحكام. المطلوب أن يصبح آلة بحث ضخمة لا تنام. آلة تستطيع أن تسأل، في وقت واحد، عن آلاف الحسابات والشركات والأشخاص والتحويلات.
اِقلقوا
البشر يستطيعون التحقيق في ملف، أما الآلة فتستطيع أن تقرأ ملايين الملفات.
وهذه هي النقطة التي يجب أن تقلق منها الطبقة المالية والسياسية اللبنانية، فالتكنولوجيا التي يستخدمها العالم اليوم لمنع الاحتيال يمكن استخدامها أيضًا لكشف مسارات الأموال التي سبقت الانهيار. والذكاء الاصطناعي الذي تستطيع المصارف أن تمنحه صلاحية قراءة آلاف المعاملات في ثوانٍ، يمكن أن يُمنح، ضمن إطار قضائي وقانوني مستقل، مهمة البحث عن الأنماط التي قد يستغرق اكتشافها بشريًا سنوات.
المفارقة أن لبنان لا يحتاج إلى اختراع أزمة جديدة كي يفهم قيمة هذه التكنولوجيا. الأزمة موجودة أصلًا، والبيانات موجودة في أماكن مختلفة، والوثائق موجودة، والضحايا معروفون، والأسئلة معلّقة منذ سنوات. المفقود هو القدرة على جمع الصورة كاملة: من «مَن سرق؟» إلى «أين ذهبت الأموال؟».
الجدل اللبناني ظل طويلًا محصورًا في شعارات عامة عن الفساد والهدر وسوء الإدارة. لكن استعادة الأموال تحتاج إلى شيء أكثر قسوة من الشعارات؛ تحتاج إلى أدلة قابلة للتتبّع، ومسارات مالية قابلة للإثبات، وسلسلة زمنية توضّح كيف تحركت الأموال، ومن اتخذ القرار، ومن استفاد.
يمكن تدريب أنظمة تحليل متقدمة على بيانات مالية وقانونية ومصرفية متاحة للجهات المختصة، بحيث تبحث عن العلاقات غير المرئية بين آلاف العمليات. ويمكنها اكتشاف الأنماط غير الطبيعية، وتحديد التحويلات المرتبطة ببعضها، ومقارنة توقيت العمليات مع الأحداث السياسية والمالية، وفرز ملايين الوثائق لتحديد ما يستحق التحقيق البشري.
لا يعني ذلك أن الآلة ستقول إن شخصًا ما مذنب. بل ستقول للمحقق: انظر هنا. وهذا وحده قد يغيّر قواعد اللعبة.
ففي القضايا المالية الكبرى، المشكلة ليست دائمًا غياب المعلومات، بل كثرتها وتشابكها. آلاف الصفحات والعقود والحسابات والتحويلات قد تخفي في وسطها عملية واحدة مهمة. وما يحتاجه فريق بشري إلى أشهر من العمل يمكن لنظام تحليلي أن يختصره إلى ساعات، ثم يترك للخبراء والقضاء مهمة التحقق والإثبات.
ولبنان، الذي يدفع مواطنوه منذ سنوات ثمن الانهيار، يحتاج إلى مثل هذه الأدوات أكثر من أي وقت مضى.
إذا كان الذكاء الاصطناعي يستطيع إدارة المال، فليساعد في استعادته.
العالم المالي يتحرك بسرعة نحو منح الذكاء الاصطناعي صلاحيات أكبر. وقد أصبحت المخاوف لا تتعلق فقط باختراق نظام واحد، بل باحتمال أن تعتمد مؤسسات مالية متعددة على نماذج متشابهة، فتستجيب للمعلومات نفسها بالطريقة نفسها، بما يعزّز سلوك القطيع والتقلبات في أوقات الأزمات. أي إن الذكاء الاصطناعي نفسه يمكن أن يصبح جزءًا من المشكلة.
إذا كان الوكيل الذكي يستطيع، في المستقبل، تنفيذ عملية دفع كاملة، فلماذا لا يستطيع تنفيذ مهمة أخرى أكثر تواضعًا وأهمية: تتبّع مسار وديعة لبناني فقد حقه في الوصول إلى ماله؟ إذا كان يستطيع تحليل المخاطر في أسواق عالمية خلال أجزاء من الثانية، فلماذا لا يستطيع تحليل شبكة الشركات والحسابات التي ارتبطت بالأزمة اللبنانية؟
وإذا كان الذكاء الاصطناعي سيصبح مستشارًا ماليًا، ومساعدًا مصرفيًا، ووكيل تداول، فلماذا يبقى المودع اللبناني وحيدًا أمام مصرف يقول له منذ سنوات: انتظر؟
ليس المطلوب «روبوتًا»
قد يبدو الكلام عن الذكاء الاصطناعي في لبنان كأنه هروب إلى المستقبل، بينما البلاد لا تزال عالقة في أسئلة الماضي. لكن المسألة عكس ذلك تمامًا. المطلوب ليس روبوتًا يضغط زر «إعادة الأموال» ويحوّل الودائع إلى حسابات أصحابها. هذه ليست لعبة فيديو.
المطلوب منظومة مستقلة للتحليل والتتبّع، تعمل تحت إشراف قضائي ورقابي واضح، وتستخدم الذكاء الاصطناعي في البحث الجنائي والمالي، مع حماية البيانات وحقوق الأفراد، وتمنع استخدام النتائج الآلية كبديل عن التحقيق أو الحكم القضائي.
والأهم أن تكون مستقلة عن المصارف وعن السياسيين الذين قد تتقاطع مصالحهم مع الملف. فالذكاء الاصطناعي لا يستطيع وحده إصلاح نظام سياسي فاسد، ولا يستطيع أن يحل محل القضاء، ولا يمكنه أن يخلق أموالًا من العدم. لكنه يستطيع أن يفعل شيئًا بالغ الأهمية: أن يجعل إخفاء العلاقات المالية أصعب بكثير. وهذا تحديدًا ما قد لا يروق لبعض الذين استفادوا من ضبابية النظام.
من يخاف من آلة تقرأ كل شيء؟
ربما تكون أكثر جملة استفزازًا في هذه القصة هي التالية: إذا لم يكن هناك ما نخفيه، فلماذا نخاف من تحليل البيانات؟
المودع اللبناني لا يحتاج إلى مزيد من المؤتمرات عن الاقتصاد الرقمي، ولا يحتاج إلى خطب جديدة عن التحول التكنولوجي. هو يريد معرفة مصير أمواله.
وإذا كانت البنوك العالمية تتجه إلى منح الآلات قدرة أكبر على قراءة المعاملات، وإدارة المخاطر، وتنفيذ العمليات، فمن غير المنطقي أن يبقى الذكاء الاصطناعي في لبنان أداة لتجميل التطبيقات المصرفية أو كتابة الردود الآلية لخدمة العملاء. يمكن أن تكون له وظيفة أكثر إزعاجًا وفائدة: البحث عن الحقيقة المالية.
القضية هنا ليست تقنية فقط. إنها سياسية وأخلاقية. فالأموال التي اختفت من النظام المصرفي ليست مجرد أرقام في قواعد بيانات. إنها مدخرات عائلات، وأموال تعليم، وتقاعد، ومشاريع صغيرة، وحياة كاملة اختُزلت في عبارة باردة اسمها «فجوة مالية». لكن خلف كل دولار في تلك الفجوة إنسان. لهذا، ربما حان الوقت لأن يتغير السؤال اللبناني. بدلًا من أن نسأل الذكاء الاصطناعي: «اكتب لي رسالة إلى المصرف»، يمكن أن نسأله: «حلّل لي مسار أموالي». وبدلًا من أن تستخدم المصارف الذكاء الاصطناعي لتعرف كيف تحتفظ بالعميل، يمكن للدولة أن تستخدمه لتعرف كيف تعيد إليه حقه. وبدلًا من أن يكون المستقبل الرقمي وسيلة جديدة لإدارة الفقر والخسارة، يمكن أن يكون أداة لاستعادة شيء من العدالة.
وبدلًا من أن يكون المستقبل الرقمي وسيلة جديدة لإدارة الفقر والخسارة، يمكن أن يكون أداة لاستعادة شيء من العدالة.
في لبنان، يجب قلب السؤال: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل إذا أعطيناه الوصول إلى الحقيقة المالية؟
قد لا يعيد المال وحده، لكنه يستطيع أن يساعد في كشف الطريق الذي سلكه.
