لماذا نسعد هناك ونهاجر من هنا؟
تتداول مواقع التواصل الاجتماعي تعليقًا منسوبًا إلى أحد الأميركيين، قيل إنه نشره على موقع CNN، يقوم على فكرة تبدو للوهلة الأولى ساخرة، لكنها تختزل واحدة من أكثر المغالطات انتشارًا في النقاش الغربي حول المسلمين والعالم العربي: «المسلمون ليسوا سعداء في غزة ومصر والسعودية وليبيا والمغرب والعراق وإيران وسوريا واليمن وباكستان وأفغانستان، لكنهم سعداء في أستراليا والسويد والولايات المتحدة والنرويج وهولندا والدنمارك».
ثم تأتي الخلاصة الأكثر استفزازًا: إنهم لا يلومون قادتهم ولا أنفسهم، بل يلومون الدول غير الإسلامية التي وجدوا فيها السعادة، ويريدون تحويلها إلى نماذج تشبه البلدان التي هربوا منها.
المشكلة ليست في أن صاحب التعليق يطرح سؤالًا يستحق النقاش، بل في أنه يقدّم إجابة جاهزة قبل السؤال، ويحوّل ملايين البشر إلى كتلة واحدة، ثم يقيس علاقة معقدة بين الإنسان والدولة والدين والاقتصاد والحرية والأمن بمسطرة واحدة اسمها «الإسلام».
والأخطر أن الصيغة المتداولة لا تبدو موثقة بوصفها تصريحًا أصليًا من CNN، إذ تنتشر أساسًا عبر منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي من دون دليل موثوق على أنها مادة صادرة عن الشبكة نفسها. وهذه ليست مسألة هامشية في زمن تتحول فيه جملة مجهولة المصدر إلى «حقيقة» لمجرد إعادة نشرها آلاف المرات.
لكن، بعيدًا عن صاحب العبارة ومصدرها، ثمة سؤال أكثر قسوة ينبغي أن نطرحه نحن على أنفسنا: لماذا ينجح عدد كبير من المسلمين والعرب في بناء حياة أفضل عندما ينتقلون إلى دول ذات مؤسسات أكثر استقرارًا، فيما تعجز دولهم عن توفير الحد الأدنى من الأمان والعدالة والفرص؟
هنا يبدأ النقاش الحقيقي؛ لأن المشكلة ليست في المسلم الذي وجد فرصة أفضل خارج بلده، بل في الدولة التي جعلت تلك الفرصة مستحيلة داخله.
ليست المشكلة في الإسلام
لو كانت العقيدة الدينية العامل الحاسم في تحديد سعادة الإنسان، لكان من الصعب تفسير وجود دول مسلمة تتقدم في مؤشرات الرفاه والاستقرار، مثل الإمارات والسعودية، اللتين جاءتا في مراتب متقدمة عالميًا في تقرير السعادة العالمي لعام 2026، بينما جاءت الولايات المتحدة في مرتبة قريبة منهما.
وفي المقابل، تتقدم دول غير مسلمة كثيرة، فيما تعاني أخرى ذات غالبية مسيحية أو علمانية من الفقر والحروب والانهيار. لذلك فإن اختزال المسألة في معادلة «مسلم = تعيس» و«غير مسلم = سعيد» ليس تحليلًا، بل تبسيط أيديولوجي لا يصمد أمام الواقع.
المسألة، في جوهرها، ليست «مسلمين في مواجهة غير المسلمين»، بل دولة في مواجهة دولة، ومؤسسات في مواجهة مؤسسات، وقانون في مواجهة الفوضى، ومساءلة في مواجهة الإفلات من العقاب، واقتصاد منتج في مواجهة اقتصاد ريعي، ومواطن صاحب حقوق في مواجهة مواطن لا يُراد له إلا أن يكون تابعًا.
وهنا يصبح السؤال أكثر إحراجًا للأنظمة العربية والإسلامية: لماذا يستطيع الطبيب العربي أن يجد مختبرًا أفضل في أوروبا، والمهندس وظيفة أكثر استقرارًا في أميركا، والطالب جامعة أكثر تنظيمًا في بريطانيا، والعامل حماية قانونية أكبر في أستراليا، ثم يعود إلى بلده ليجد دولة تعجز عن منحه الكهرباء والماء والدواء والعمل والعدالة؟
هل المشكلة في عقيدته، أم في الدولة التي استهلكت الدين سياسيًا ولم تتعلم كيف تبني مؤسسة؟
الغرب لم يجعل المسلمين سعداء لأنه «غير إسلامي»، بل لأن عددًا من دوله استطاع، بدرجات متفاوتة، بناء منظومات تجعل حياة الإنسان أقل اعتمادًا على مزاج الحاكم والطائفة والحزب والزعيم والوسيط.
لبنان… المختبر الأكثر فجاجة
لعل لبنان هو المثال الأكثر وضوحًا على سقوط هذه الحجة. فهو ليس دولة إسلامية أصلًا، بل بلد متعدد الطوائف والأديان، يعيش فيه المسلم والمسيحي والعلماني والملحد، ويتحدث الجميع عن الحداثة والديمقراطية والتعايش، فيما بقيت الدولة أسيرة نظام سياسي قائم على تقاسم النفوذ والمصالح والولاءات.
ومع ذلك، انهار البلد في واحدة من أشد الأزمات الاقتصادية والمالية، وخسر سعر صرف الليرة القسم الأكبر من قيمته، ودُفعت أعداد ضخمة من اللبنانيين نحو الفقر والهجرة.
فهل يمكن وضع ذلك على حساب الإسلام؟ بالطبع لا.
المشكلة اللبنانية لم تكن في صلاة اللبناني ولا في طائفته ولا في كتابه الديني، بل في نظام سياسي قائم على المحاصصة والزبائنية، وفي طبقة سياسية حوّلت الدولة إلى مجموعة حصص، والمؤسسات إلى ممرات للمحسوبيات، والاقتصاد إلى شبكة مصالح، والمواطن إلى زبون انتخابي.
وقد خلصت تقارير دولية عديدة إلى أن جذور هشاشة لبنان مرتبطة بترتيبات تقاسم السلطة بين النخب، والولاءات الطائفية والرعاية السياسية، وما نتج منها من ضعف الخدمات العامة والفساد وغياب المساءلة وتفاقم عدم المساواة.
وهنا يمكن قلب السؤال المتداول رأسًا على عقب: إذا كان المسلم اللبناني يستطيع أن يعيش في لندن أو سيدني أو ستوكهولم وفق القانون نفسه الذي يحمي المسيحي واليهودي والملحد، فلماذا يفشل النظام اللبناني في تأمين الحقوق نفسها له داخل لبنان؟
هذه ليست إدانة للإسلام، بل إدانة للدولة وللطريقة التي أُدير بها البلد، وللنخب التي جعلت الطائفة بديلًا عن المواطنة، والزعيم بديلًا عن المؤسسة، والولاء الشخصي بديلًا عن القانون.
لماذا يهاجر الناس؟
المهاجر لا يهرب بالضرورة من دينه، بل من غياب الفرصة والخوف والفساد والحرب وانهيار العملة والمحسوبية، ومن دولة تطلب منه الولاء قبل أن تقدم له حقه.
والدليل أن الهجرة لا تسير على أساس ديني بسيط. الناس ينتقلون إلى حيث توجد الفرص، وحيث يستطيعون حماية أطفالهم ومستقبلهم، وحيث يشعرون أن القانون قادر على حمايتهم حتى عندما لا يكونون أصحاب نفوذ.
والسؤال الأشد إحراجًا للأنظمة التي تتهم مهاجريها بعدم الولاء هو: لماذا يبقى المهاجر مرتبطًا بوطنه عاطفيًا وماليًا، ويرسل الأموال إليه، ويبني بيتًا فيه، ويموّل أسرته ويستثمر فيه، رغم أنه وجد في الخارج شروطًا أفضل للحياة؟
لأنه لم يهرب من وطنه بالضرورة، بل ربما هرب من الطريقة التي أُدير بها وطنه.
السعادة ليست مالًا فقط
لكن لا ينبغي الوقوع في المغالطة المعاكسة. فالغرب ليس جنة، وليس كل مسلم يصل إلى أوروبا أو أميركا يصبح سعيدًا تلقائيًا.
تقرير السعادة العالمي لا يقيس السعادة بمعنى الابتسامة أو الثراء وحدهما، بل يتقاطع مع عناصر مثل الدعم الاجتماعي، والحرية في اتخاذ القرارات، ومتوسط العمر الصحي، والدخل، والنظرة إلى الفساد. كما يشير إلى تراجع ملحوظ في سعادة الشباب في عدد من الدول الغربية خلال العقود الأخيرة.
أي إن النموذج الغربي نفسه ليس بلا عيوب، لكنه يمتلك في عدد من دوله شيئًا بالغ الأهمية: مؤسسات قادرة على الاعتراف بالأخطاء وتصحيحها.
الدولة الناجحة ليست التي لا تخطئ، بل التي تسمح للمواطن بأن يقول للحاكم إنه أخطأ، ثم تملك مؤسسات قادرة على محاسبته. أما الدولة الفاشلة فهي التي تقنع المواطن بأن المشكلة دائمًا في الخارج، وفي المؤامرة، والاستعمار، والطائفة الأخرى، والغرب، وإسرائيل، وأميركا، والإعلام، و«الأعداء»؛ أي في كل شيء إلا في المرآة.
لبنان لم ينهَر بسبب الغرب
لننظر إلى لبنان مجددًا. عندما انهارت المصارف، لم تكن السويد أو الدنمارك من أغرقتا لبنان بالفساد. وعندما ضاعت ودائع اللبنانيين، لم تكن النرويج هي التي أدارت المصرف المركزي. وعندما انهارت الخدمات العامة، لم تكن أستراليا هي التي وزعت الوزارات على الأحزاب والطوائف. وعندما وقع انفجار مرفأ بيروت، لم تكن هولندا هي التي خزنت المواد الخطرة في قلب العاصمة.
ومع ذلك، كلما اقترب السؤال من المسؤولية، تظهر ماكينة سياسية لتحويل الأنظار نحو الخارج.
هذه إحدى مشكلات المنطقة الكبرى: إنتاج الضحية وإعفاء المسؤول.
حتى المواطن نفسه قد يتحول إلى شريك في هذه اللعبة عندما يواصل التصويت لمن يسرقه، ثم يذهب إلى أوروبا طالبًا منها الحياة التي حرمته منها خياراته السياسية في الداخل.
لكن لا يجوز، في المقابل، تحميل المواطن وزر نظام كامل. فهو مسؤول عن خياراته، لكنه ليس وحده من صنع منظومة تفرض عليه خيارات محدودة، ولا يجوز أن يصبح الناخب شماعة دائمة لفشل طبقة سياسية تملك المال والإعلام والمؤسسات وشبكات النفوذ.
المسلم لا يحتاج إلى تغيير الغرب
أما أخطر ما في التعليق المتداول فهو افتراض أن المسلم إذا هاجر إلى بلد ديمقراطي فإنه يريد تحويله إلى نسخة من البلد الذي هرب منه.
هذه صورة نمطية لا تصمد أمام الواقع؛ لأن المهاجر الذي يجد في أوروبا أو أميركا دولة قانون، وتعليمًا أفضل، ونظامًا صحيًا أكثر كفاءة، وأجورًا أكثر استقرارًا، وحماية قانونية وحرية شخصية، لا يكون بالضرورة منشغلًا بإعادة إنتاج نظامه القديم.
بل إن كثيرًا من المهاجرين يكتشفون هناك قيمة أشياء افتقدوها في أوطانهم: أن القانون يسبق اسم العائلة، وأن الموظف العام ليس فوق المساءلة، وأن الانتخابات ليست موسمًا لإعادة إنتاج الزعيم، وأن المواطن يستطيع مقاضاة الدولة، وأن الحصول على الحق لا يحتاج إلى وسيط أو قريب أو بطاقة حزبية.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: لماذا يحب المسلمون الغرب؟ بل: لماذا لم تستطع دولهم أن تمنحهم ما وجدوه فيه؟
الغرب ليس بريئًا أيضًا
لكن النقد الجاد لا يتحول إلى مديح أعمى.
فالغرب الذي يوفر القانون والرفاه في عدد من دوله لم يكن دائمًا بريئًا من أزمات العالم الإسلامي. فقد ساهمت سياسات استعمارية قديمة، وتدخلات عسكرية، وتحالفات مع أنظمة سلطوية، وحروب ومصالح جيوسياسية ومعايير مزدوجة في قضايا حقوق الإنسان، في تشكيل جانب من المنطقة التي نراها اليوم.
لكن الاعتراف بذلك لا يمنح الأنظمة العربية والإسلامية شهادة براءة.
قد يكون الغرب مسؤولًا عن بعض الحرائق، لكن السؤال يبقى: من أبقى النار مشتعلة لعقود؟ ومن جعل الفساد نظامًا، والاستبداد ثقافة، والطائفية آلية حكم، والزبائنية بديلًا عن المواطنة؟
الاستعمار ليس تفسيرًا صالحًا لكل شيء إلى الأبد، والمؤامرة ليست نظرية حكم، والدين ليس بديلًا عن الدولة، والهوية ليست بديلًا عن الكفاءة.
وأسهل ما يمكن أن يفعله أي نظام سياسي فاشل هو أن يشرح للناس لماذا فشل الآخرون في إفشاله، بدلًا من أن يشرح لهم لماذا فشل هو في إنجاح بلده.
حين يتحول الدين إلى درع سياسي
من أخطر ما حدث في كثير من المجتمعات العربية والإسلامية انتقال الدين، أحيانًا، من منظومة قيم وأخلاق إلى أداة لحماية السلطة من النقد.
فبدلًا من أن يسأل المواطن: لماذا لا توجد عدالة؟ ولماذا يُنهب المال العام؟ ولماذا لا توجد انتخابات نزيهة؟ ولماذا يهاجر الشباب وينهار التعليم؟ يتحول السؤال إلى: من معنا ومن ضدنا؟ من مسلم ومن غير مسلم؟ من وطني ومن خائن؟
وهكذا يتحول المواطن من صاحب حق إلى مدافع عن زعيمه، وينتقل النقاش من سؤال الدولة إلى سؤال الهوية، ومن محاسبة المسؤول إلى الدفاع عن الجماعة.
والدين، في هذه الحالة، لا يعود مصدرًا للقيم التي يفترض أن تحاسب السلطة، بل يتحول إلى درع تحتمي به السلطة من المحاسبة، حتى يبدو نقد الحاكم كأنه نقد للدين أو للطائفة أو للوطن.
السؤال الذي يجب طرحه
ربما ينبغي أن نتوقف عن السؤال: «لماذا المسلمون غير سعداء؟»، ونطرح السؤال الأكثر صدقًا: لماذا عجزت دول كثيرة ذات غالبية مسلمة عن تحويل ثرواتها البشرية والمادية والدينية والحضارية إلى دولة عادلة وقادرة؟
ولبنان، مرة أخرى، يختصر المأساة. بلد صغير يملك تعليمًا عريقًا، وقطاعًا مصرفيًا كان يومًا نموذجًا إقليميًا، واغترابًا منتجًا، وطاقات بشرية هائلة، وتنوعًا ثقافيًا ودينيًا نادرًا، ومع ذلك وصل إلى انهيار جعل العالم يتحدث عن إنقاذه وإعادة إعمار ما كان يمكن ألّا يُدمَّر أصلًا.
هذه ليست مشكلة دين، بل مشكلة إدارة دولة.
بل إن لبنان يقدم نموذجًا أكثر تعقيدًا: مجتمع متعدد الأديان لم يستطع أن يتحول إلى دولة تقوم على المواطنة. فالطوائف ليست المشكلة بذاتها؛ المشكلة تبدأ عندما تتحول الطائفة إلى مؤسسة سياسية فوق الدولة، ويصبح الزعيم ممثلًا لطائفته قبل أن يكون مسؤولًا أمام مواطنيه.
المرآة أفضل من الشتيمة
التعليق المتداول يريد أن يقول للمسلمين: أنتم غير سعداء لأنكم مسلمون.
والرد الأكثر عقلانية ليس أن نقول: أنتم الغربيون أشرار. بل أن نقول: نحن غير سعداء عندما تفشل دولنا في بناء دولة تحترم الإنسان، وسنكون أكثر سعادة عندما ننجح في بنائها.
لا نحتاج إلى تحويل السويد إلى بلد مسلم، ولا السعودية إلى بلد سويدي، ولا لبنان إلى نسخة من الدنمارك.
نحتاج فقط إلى أن نتعلم من الدول التي نجحت في شيء بسيط في ظاهره، بالغ الصعوبة في تطبيقه: أن تجعل الدولة في خدمة المواطن، لا المواطن في خدمة الدولة، وأن تجعل القانون فوق الزعيم، لا الزعيم فوق القانون.
