تحميل

إبحث

وجوه وحكايات

من مهاجر مغربي إلى حاكم «إسرائيل»؟

Power and Shadows in Jerusalem

قد تكون المفارقة الأكثر إثارة في إسرائيل اليوم أن الرجل الذي يقترب من إزاحة بنيامين نتنياهو عن كرسي رئاسة الحكومة ليس وريثًا لنخبة تل أبيب، ولا ابن مدرسة «سايرت متكال» التي صنعت كثيرًا من جنرالات النخبة، بل هو غادي آيزنكوت، ابن عائلة يهودية من أصول مغربية، الذي بدأ مسيرته في لواء جولاني قبل أن يصعد إلى رئاسة أركان الجيش الإسرائيلي.

المغربي الأصل يقف اليوم على أبواب الحكم في إسرائيل. وهذه ليست حكاية أصول فحسب، بل مفارقة سياسية تضرب في قلب السردية التي بنى عليها نتنياهو جزءًا كبيرًا من قوته: تقديم نفسه ممثّلًا لليهود الشرقيين في مواجهة النخب التقليدية.

فإذا وصل آيزنكوت إلى رئاسة الحكومة، سيكون أحد أبناء هذه الفئات نفسها هو من يهدّد بإسقاط الرجل الذي ادّعى طويلًا احتكار تمثيلها.

لكن آيزنكوت لا يقترب من السلطة باعتباره رجل سلام. إنه جنرال سابق، صقر أمني، يؤمن بالقوة الإسرائيلية وبحرية العمل العسكري، ويرفض في الوقت الراهن إقامة دولة فلسطينية، لكنه، في الوقت نفسه، أكثر حذرًا من نتنياهو في استخدام القوة، وأقل ميلًا إلى تحويل الحرب إلى مشروع سياسي دائم.

في غزة، يريد بديلًا فلسطينيًا عن «حماس»، لكنه لا يريد دولة فلسطينية. وفي لبنان، يؤيد الضغط العسكري على «حزب الله»، لكنه يدرك أن السلاح وحده لا يصنع حلًّا دائمًا. وفي مواجهة إيران، يؤيد القوة، لكنه يرفض أوهام تغيير الأنظمة بالقصف والاغتيالات.

إنه صقر، لكن ليس صقر نتنياهو، وهنا تكمن خطورته الانتخابية.

فنتنياهو بنى سلطته على صورة «رجل الأمن». ثم جاء السابع من أكتوبر ليطرح السؤال الأكثر قسوة: كيف يمكن لرجل احتكر الأمن الإسرائيلي لعقود أن يسمح بوقوع أكبر اختراق أمني في تاريخ الدولة؟

آيزنكوت يملك الإجابة السياسية قبل أن يملك البرنامج الانتخابي: الأمن ليس ملكية خاصة لنتنياهو.

والرجل يملك شيئًا آخر لا يستطيع نتنياهو اصطناعه أمام الكاميرات: جرحًا شخصيًا. فقد ابنه في حرب غزة، ثم عاد إلى مجلس الحرب. لذلك، لا يقف الإسرائيليون أمام جنرال يتحدث عن الحرب من بعيد، بل أمام أبٍ دفن ابنه ثم عاد إلى غرفة القرار.

هذه الصورة صنعت له ما تعجز ملايين الدولارات عن شرائه: المصداقية. لكن المصداقية لا تصنع حكومة.

فإسرائيل لا يحكمها من يتصدّر استطلاعات الرأي، وإنما من يستطيع جمع 61 مقعدًا في الكنيست. وهنا تبدأ معركة آيزنكوت الحقيقية: المعارضة مشرذمة، والأحزاب الصغيرة قد تهدر أصوات المعسكر كله، ونتنياهو يملك خبرة استثنائية في تحويل الانقسامات إلى ائتلافات، والبقاء في السلطة عندما يعتقد الجميع أن نهايته اقتربت.

لذلك، فإن السؤال ليس فقط: هل يستطيع آيزنكوت هزيمة نتنياهو؟ السؤال الأهم: هل يستطيع الجنرال الذي أتقن قيادة الجيش أن يتعلّم قيادة السياسيين؟

فالجيش يعرف الأوامر، أما الكنيست فيعرف المساومات. الجيش يتحرك بسلسلة قيادة واضحة، أما السياسة الإسرائيلية فتتحرك بسلسلة لا تنتهي من الشروط والصفقات والابتزازات.

المعركة في إسرائيل ليست بين السلام والحرب، بل بين صقرين يختلفان في الأسلوب أكثر مما يختلفان في الجوهر
israel_leadership_paradox_landscape
قد يتغيّر وجه رئيس الحكومة، لكن السؤال الحقيقي: هل ستتغيّر السياسة أم سيبقى نتنياهو حاضرًا من دون نتنياهو؟

قد تكون المفارقة الأخيرة أكثر قسوة: إذا وصل آيزنكوت، فلن يكون وصول رجل من أصول مغربية إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية مجرد انتصار انتخابي، بل دليلًا على أن إسرائيل نفسها بدأت تبحث عن وجه جديد لقيادة نظام قديم.

قد يتغير اسم رئيس الحكومة، لكن فلسطين ولبنان وإيران لن تتغير بمجرد تغيير الاسم.

وهكذا سيكون الاختبار الحقيقي لآيزنكوت: هل جاء إلى السلطة لإنقاذ إسرائيل من نتنياهو، أم لإنقاذ نتنياهو من خلال استنساخ سياساته بوجه أكثر انضباطًا وأقل صخبًا؟

فإذا كان الخيار الثاني، فلن تكون إسرائيل قد غيّرت رئيس وزرائها؛ ستكون فقط قد أعادت تغليف نتنياهو بزيّ الجنرال.

 

العلامات

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا