من يوزّع القنابل… يوزّع شهادات الإرهاب

هكذا، اكتشفت إدارة دونالد ترمب أن العالم يواجه خطرًا إرهابيًّا جديدًا اسمه «فلسطين أكشن». لم تكن المشكلة حربًا كبرى، ولا جيوشًا تعبر الحدود، ولا دولة تستخدم ترسانتها لقصف المدن، الخطر هذه المرة مجموعة ناشطين قرروا استهداف شركات سلاح مرتبطة بـ«إسرائيل» في بريطانيا.
لذلك كان لا بدّ من تدخّل القوة العظمى، عقوبات أميركية، وختم إرهابي، وقلق دولي يكاد يجعل الكوكب ينام على أعصابه. شكرًا واشنطن، لقد أنقذت العالم مرة أخرى.
هدى عموري، المؤسِّسة المشاركة للحركة، وصفت القرار بأنه «قمة النفاق». وهي عبارة تبدو قاسية، إلى أن نتذكر أن صاحبتها فلسطينية الأب، عراقية الأم، وبريطانية الجنسية، أي أن تاريخ عائلتها وحده يمرّ من بلدين يعرفان جيدًا كيف يمكن للقوة الأميركية أن تدخل بلدًا باسم الأمن، ثم تترك خلفها سؤالًا اسمه: أين ذهب الأمن؟
قوائم معلّبة
لكن واشنطن لا تحب الأسئلة التاريخية، إنها تفضّل القوائم. قائمة للإرهابيين، قائمة للمتطرفين، قائمة للجهات الممنوعة، وقائمة أخرى لمن يستحق العقوبات. أما قائمة الدول التي قصفت واحتلت ودمّرت وأشعلت الحروب، فتبدو دائمًا مفقودة.
هنا تكمن روعة السياسة الأميركية: الإرهاب هو فعلٌ إذا ارتكبه خصم، و«دفاع عن النفس» إذا ارتكبه حليف، و«عملية عسكرية» إذا ارتكبته دولة، و«تهديد للأمن الدولي» إذا أزعج شركة سلاح.
يا لها من هندسة لغوية مذهلة، حتى الجريمة تستطيع تغيير اسمها بمجرد عبورها المحيط الأطلسي.
المفارقة أن بريطانيا نفسها لم تحظر «فلسطين أكشن»، لكن القضية لم تنتهِ عند ختم حكومي. دخلت إلى القضاء، وأصبحت شرعية الحظر وملاءمته وارتباطه بحرية التعبير موضوعًا لمعركة قانونية وسياسية مفتوحة.
أما واشنطن، فاختصرت الطريق كله. لماذا نستمع إلى المحكمة إذا كان بإمكاننا إصدار بيان؟ لماذا نناقش معنى الإرهاب إذا كان بإمكاننا وضعه في قائمة؟ ولماذا نسأل من قتل ومن دمّر ومن بدأ الحرب، إذا كان الأسهل أن نبحث عن ناشط نحمّله مسؤولية الفوضى العالمية؟
فلسفة القوة
إنها فلسفة القوة حين تتحول إلى قانون، من يملك الصاروخ يملك التعريف، ومن يملك العقوبة يكتب القاموس.
لكن قصة هدى عموري أكثر إزعاجًا لواشنطن من قصة «فلسطين أكشن» نفسها. امرأة تحمل في هويتها فلسطين والعراق وبريطانيا، وتذكّر الغرب بأن ضحايا حروبه لا يختفون بمجرد أن تنتهي المؤتمرات الصحفية.
قد تستطيع أميركا أن تصنّف حركة، وأن تجمّد حسابات، وأن تطلق عليها ألف وصف، لكنها لا تستطيع أن تضع الذاكرة على قائمة العقوبات. ولذلك ربما كان على وزارة الخزانة الأميركية، قبل أن تفتح قائمة جديدة، أن تفتح كتاب التاريخ.
فقد تجد فيه مفاجأة صغيرة:
أن بعض الذين يوزّعون اليوم شهادات الإرهاب، كانوا بالأمس يوزّعون القنابل.
في عالم كهذا، تصبح المسألة ليست: من هو الإرهابي؟ بل السؤال الأكثر إزعاجًا: من أعطى أميركا حق أن تكون القاضي… وهي أحد أطراف القضية؟
10:39 PM
«فلسطين أكشن» (Palestine Action) هي حركة احتجاجية بريطانية تعتمد ما تسميه «العمل المباشر»، وتركّز على شركات وصناعات الأسلحة المرتبطة بإسرائيل. وتقول الحركة في موقعها الرسمي إن هدفها هو إنهاء ما تعتبره تواطؤًا عالميًا مع إسرائيل، وإن استراتيجيتها تقوم على تعطيل أو استهداف منشآت مرتبطة بصناعة السلاح.
اشتهرت الحركة باحتجاجات شملت اقتحام منشآت وأعمال تخريب للممتلكات. وفي يوليو/تموز 2025، أعلنت الحكومة البريطانية حظرها بموجب قانون الإرهاب، بعد حادثة اقتحام قاعدة جوية ورشّ طلاء طائرتين عسكريتين، وفق مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان.
وانتقدت الأمم المتحدة القرار، معتبرةً أن توسيع مفهوم الإرهاب ليشمل أضرار الممتلكات قد يقيّد حرية التعبير والتجمع بصورة غير متناسبة.
