تحميل

إبحث

في الصميم

من السُّنّة إلى الطقوس… ماذا حدث للمولد النبوي؟

Serene Quranic Still Life by Lanternlight

يتجدّد في كل عام، مع حلول شهر ربيع الأول، الجدل حول مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف؛ بين من يراه تعبيرًا عن محبة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمًا لمكانته، وبين من يرى أن المحبة الشرعية لا تُقاس بالمواسم والاحتفالات، وإنما بصدق الاتباع والاقتداء والتمسك بسنته.

غير أن الإشكالية لا تقف عند أصل الاحتفال فحسب، بل تتجاوزها إلى جملة من المظاهر والممارسات التي أُلحقت به عبر التاريخ، واتخذ بعضها طابعًا تعبديًا لم يُعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أصحابه، ولا عن القرون الإسلامية الأولى.

يقين الوفاة وظنّية الولادة

من أبرز المسائل التي تستحق التوقف عندها أن تحديد يوم ولادة النبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت بصورة قطعية، بل اختلفت فيه الروايات وأقوال أهل السِّيَر والتاريخ.

فقد قيل إنه وُلد في الثاني عشر من ربيع الأول، وقيل في غيره من أيام الشهر، فيما رجّح عدد من الباحثين وأهل التحقيق، استنادًا إلى الحسابات التاريخية والفلكية، أن مولده كان في التاسع من ربيع الأول.

في المقابل، اشتهر في كتب السيرة أن وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وقعت في شهر ربيع الأول أيضًا، ويرجّح جمهور واسع من المؤرخين أنها كانت في الثاني عشر منه.

وهنا تبرز المفارقة: كيف يتحول يوم مختلف أصلًا في ثبوت كونه يوم الميلاد إلى مناسبة احتفالية ثابتة، بينما ارتبط اليوم نفسه، في الرواية التاريخية الأشهر، بواحدة من أعظم مصائب الأمة، وهي وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

إذا كان الصحابة أشد الناس حبًا للنبي ولم يجعلوا لمولده موسمًا، فالسؤال مشروع: من أين جاءت الشعيرة؟

احتفال لم تعرفه القرون الأولى

الثابت تاريخيًا أن الاحتفال بالمولد النبوي بالصورة الموسمية المعروفة اليوم لم يكن من شعائر المسلمين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولا في عهد الصحابة والتابعين، ولا في القرون الأولى التي شهد لها النبي بالخيرية.

وإنما ظهرت أشكال الاحتفال المنظمة في عصور لاحقة، ثم توسعت بمرور الزمن، وتداخل فيها الديني بالشعبي، حتى تحولت في بعض البيئات إلى طقوس موسمية تترافق مع الأناشيد والموالد، وتوزيع الحلوى، واستخدام المساجد ومآذنها في ممارسات مخصوصة يُراد بها التقرب إلى الله.

وهنا تكمن الإشكالية الشرعية الأساسية: فالمباحات والعادات شيء، وتحويلها إلى شعائر دينية مرتبطة بزمان مخصوص، يُتقرب بها إلى الله، شيء آخر يحتاج إلى دليل.

شبهة «البدعة الحسنة»

من أكثر ما يُستدل به لتسويغ بعض المحدثات قول الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عندما جمع الناس على صلاة التراويح خلف إمام واحد: «نعمت البدعة هذه».

لكن الاستدلال بهذه العبارة يحتاج إلى وضعها في سياقها الصحيح.

فصلاة التراويح جماعة لم يبتكرها عمر رضي الله عنه، بل ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها بأصحابه عدة ليالٍ، ثم امتنع عن الاستمرار في الخروج إليهم خشية أن تُفرض عليهم.

وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وانقطاع الوحي وزوال سبب الخشية من فرضها، جمع عمر الناس على إمام واحد، فأحيا سنة ثابتة الأصل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومن هنا، كان استعمال كلمة «البدعة» في كلام عمر بمعناها اللغوي؛ أي إعادة الأمر وإظهاره بصورة لم تكن قائمة في ذلك الوقت، لا بمعنى اختراع عبادة جديدة لا أصل لها في الشريعة.

بين الإحياء والابتداع

الفارق هنا جوهري. عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم ينشئ عبادة من عنده، ولم يخصّص زمانًا أو هيئة تعبّدية بلا دليل، وإنما أعاد إحياء سنة ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

أما إحداث عبادة أو موسم ديني أو تخصيص يوم بعينه بشعائر مخصوصة لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها أو أمر بها، ولم يفعلها أصحابه من بعده، فهو محل الإشكال والبحث الشرعي.

ولهذا لا يستقيم أن يُجعل قول عمر رضي الله عنه بابًا مفتوحًا لإحداث عبادات جديدة؛ لأن فعل الخليفة الراشد نفسه كان مستندًا إلى أصل نبوي ثابت.

بل إن السنة النبوية أمرت بالتمسك بسنة النبي وسنة خلفائه الراشدين، كما جاء في الحديث: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي».

ومن ثم، فإن القياس بين اجتهاد عمر بن الخطاب في إحياء سنة نبوية ثابتة، وبين ممارسات تعبّدية ظهرت بعد القرون الأولى من دون أصل صريح، هو قياس يفتقد إلى مناطه الشرعي الصحيح.

الاستدلال في غير موضعه

إذا احتجّ أحد بفعل عمر رضي الله عنه لإقرار أي بدعة تعبّدية مستحدثة، فإن الجواب أن عمر لم يشرّع من عنده، ولم يأتِ بما لم يكن له أصل، بل تحرك داخل إطار السنة نفسها.

فمن أحدث اليوم عبادة لم يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أصحابه، ولا الخلفاء الراشدون، ثم استند إلى قول عمر «نعمت البدعة»، فقد حمّل الأثر ما لا يحتمل، ووضع الدليل في غير موضعه.

المحبة اتباع لا موسم

الخلاصة أن محبة النبي صلى الله عليه وسلم ليست محل خلاف بين المسلمين، وإنما الخلاف في الكيفية التي تُترجم بها هذه المحبة، والمعيار الأوثق للمحبة هو الاتباع.

فتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم يكون بإحياء سنته، وتعلّم سيرته، وتعليمها للأجيال، والاقتداء بأخلاقه، والتمسك بأوامره، واجتناب نواهيه، والدفاع عن رسالته وقيمها طوال أيام العام.

أما اختزال محبته في يوم واحد، أو في مظاهر موسمية وشعائر لم يثبت تشريعها، فلا يرقى إلى معنى المحبة التي أرادها الإسلام.

فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بحاجة إلى موسم ليبقى حاضرًا في حياة المسلمين؛ بل المطلوب أن تكون سنته حاضرة في عباداتهم، وأخلاقهم، ومعاملاتهم، وبيوتهم ومجتمعاتهم.

فالمحبة الحقيقية لا تُقاس بكثرة الاحتفال، بل بصدق الاتباع.
al-Post
العلامات

يعجبك ايضاً

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا