تحميل

إبحث

في الصميم

ما هي جريدتكم المفضّلة لتنظيف الزجاج؟

Wiping Away the Dirty Truth

قد يبدو السؤال ساخرًا، لكنه في الحقيقة يلخّص شيئًا عميقًا ومؤلمًا من واقع الصحافة اللبنانية اليوم، لأن جزءًا من الإعلام لم يعد يكتفي بنقل الواقع، بل صار يتفنّن في تلميعه، وتغطية شقوقه، ومسح البصمات عن زجاج السلطة، حتى بات القارئ، في أحيان كثيرة، لا يعرف إن كان يقرأ خبرًا أم إعلانًا سياسيًا مكتوبًا بلغة صحافية.

عاصمة الصحافة

كانت بيروت ذات يوم عاصمة للصحافة العربية، وكانت الجريدة سلطة قائمة بذاتها، وكان الصحافي قادرًا على هزّ حكومة، وفتح ملف، وإحراج زعيم، وتحويل تحقيق صحافي إلى قضية رأي عام. أما اليوم، فقد انتقلت الصحافة اللبنانية من موقع صناعة الحدث إلى موقع محاولة النجاة منه.

هذه ليست قصة الورق وحده، فالمشكلة أعمق من انتقال القارئ من الصحيفة إلى الهاتف، أو من المطبعة إلى المنصة الرقمية. التكنولوجيا تتغيّر، والصناعة تتغيّر، والجمهور يتغيّر، لكن ما لا ينبغي أن يتغيّر هو السؤال القديم: لمن تعمل الصحافة؟ للقارئ أم للمموّل؟ للحقيقة أم للزعيم؟ للمصلحة العامة أم للجهة التي تستطيع دفع الفاتورة؟

الرقيب الداخلي

هنا تبدأ المشكلة الحقيقية. فالصحيفة التي تعرف مسبقًا ما يستطيع زعيم سياسي تحمّله وما لا يستطيع، وما الذي يمكن مهاجمته وما الذي يجب الاقتراب منه بحذر، لا تحتاج إلى رقابة حكومية.

الرقابة أصبحت داخلية، وأحيانًا أكثر فاعلية من الرقابة الرسمية. والصحافي الذي يعرف أن راتبه مرتبط بمؤسسة لها مصالح سياسية أو مالية، لا يحتاج بالضرورة إلى أن يتلقى أمرًا مباشرًا كي يعرف أين يجب أن يتوقف قلمه.

وهكذا تصبح الرقابة الأكثر خطورة هي تلك التي لا يراها أحد: أن يحذف الصحافي جملة قبل أن يطلب منه أحد حذفها، وأن يخفّف عنوانًا قبل أن يتصل به أحد، وأن يختار خبرًا لأنه مناسب ويتجاهل آخر لأنه مزعج، وأن يعرف مسبقًا من هو «الخصم» ومن هو «الحليف». عندها لا تعود الصحافة بحاجة إلى مقصّ الرقيب؛ الرقيب ينتقل إلى داخل غرفة التحرير.

مرايا سياسية

وهذا ما جعل جزءًا من المشهد الإعلامي اللبناني يتحوّل إلى مرايا سياسية. كل جمهور يرى نفسه في الصحيفة التي يقرأها، وكل زعيم يجد من يشرح وجهة نظره، وكل فريق سياسي يمتلك منبرًا يبرّر له ما لا يمكن تبريره في المنابر الأخرى. أما الحقيقة فتقف في الخارج وتنتظر.

والمواطن، بدوره، لم يعد يذهب إلى الجريدة دائمًا بحثًا عن الحقيقة، بل بحثًا عن تأكيد لما يؤمن به أصلًا. أصبحت الصحافة، في بعض الحالات، أسيرة جمهورها، والجمهور أسير انقسامه، والانقسام أسير منظومة سياسية تعرف جيدًا كيف تستخدم الإعلام لإعادة إنتاج نفسها.

غرفة انتظار

هكذا يصبح السؤال أكثر قسوة: ماذا يحدث عندما تصبح الصحيفة التي يُفترض أن تراقب السلطة محتاجة إلى السلطة لكي تستمر؟

الجواب واضح: تتحوّل الصحافة من سلطة رابعة إلى غرفة انتظار؛ تنتظر التمويل، وتنتظر الإعلان، وتنتظر الدعم، وتنتظر الإشارة، وتنتظر أن تمرّ العاصفة. لكن الصحافة الحقيقية لا ينبغي أن تنتظر. وظيفتها أن تذهب إلى قلب العاصفة.

لبنان لا يحتاج إلى مزيد من المنابر التي تكرّر الخطاب نفسه بعبارات مختلفة، بل إلى مؤسسات تستطيع أن تقول للناس إن زعيمهم أخطأ، وإن حليفهم فاسد، وإن روايتهم ناقصة، وإن الحقيقة ليست ملكًا لطائفة ولا لحزب ولا لمحور.

فالصحيفة التي تخشى خسارة القارئ لأنها تقول له الحقيقة ليست صحيفة تحمي القارئ، إنها تحمي سوقها. والصحيفة التي تخشى غضب السياسي لأنها تحقّق في ملفه لا تحمي الصحافة، إنها تحمي مصالحها. والصحيفة التي تصبح مهمتها تلميع صورة الأقوياء لا تختلف كثيرًا عن مرآة كبيرة معلّقة على جدار السلطة.

من تُغضب؟

لذلك، ربما آن الأوان لأن نعكس السؤال. بدلًا من أن نسأل: ما هي جريدتكم المفضّلة؟ فلنسأل: أي جريدة ما زالت قادرة على إغضابكم؟

 

في لبنان، لم تعد الصحافة بحاجة إلى سؤال من قبيل: من يكتب الحقيقة؟ السؤال الأكثر واقعية، وربما الأكثر قسوة، أصبح: ما هي جريدتكم المفضّلة في تنظيف الزجاج؟
ماذا لو؟

لأن الصحيفة التي لا تُغضب أحدًا، ولا تُحرج أحدًا، ولا تكشف أحدًا، ولا تدفع أحدًا إلى الرد عليها، قد تكون مريحة جدًا، لكنها ليست صحافة.

ghirda-cleaning-glass
في بلد كلبنان، حيث تعجز السياسة عن تنظيف نفسها، وحيث تراكمت على الزجاج طبقات من الفساد والطائفية والزبائنية والمال والنفوذ، ربما لا نحتاج إلى مزيد من الجرائد التي تمسح الزجاج. نحتاج إلى صحيفة تكسر الزجاج، وتدع الناس يرون ما وراءه… فكانت «البوست».
عربية، حرّة ، أبيّة...
العلامات

يعجبك ايضاً

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا