«نهاية التاريخ» أم بداية أزمة الغرب؟
صاحب «نهاية التاريخ» يراجع أفكاره بعد 37 عاماً، لكن مراجعة فرانسيس فوكوياما تكشف شيئاً أعمق من خطأ مفكّر؛ إنها تكشف أزمة الغرب نفسه، حيث تتآكل الثقة بالديمقراطية الليبرالية، وتصعد الشعبوية، وتتراجع هيبة المؤسسات، ويبحث الإنسان الغربي من جديد عن معنى يتجاوز الاستهلاك والرفاه.
في عام 1989، بدا العالم وكأنه يمنح فوكوياما الدليل الذي يحتاجه. جدار برلين يتهاوى، والاتحاد السوفييتي يترنّح، والليبرالية الغربية تبدو وكأنها خرجت منتصرة من القرن الأكثر دموية في التاريخ الحديث. لذلك، تحوّلت عبارة «نهاية التاريخ» إلى واحدة من أشهر الأطروحات السياسية في العصر الحديث، وإن كانت قد اختُزلت لاحقاً إلى معنى لم يقصده صاحبها.
لم يقل فوكوياما إن الحروب ستنتهي أو إن العالم سيصبح ديمقراطياً بين ليلة وضحاها، وإنما رأى أن الديمقراطية الليبرالية لم تعد تواجه منافساً أيديولوجياً قادراً على تقديم نموذج أكثر إقناعاً للإنسان. لكن المفارقة التي يواجهها اليوم أن الأزمة لم تأتِ فقط من خارج الغرب، بل بدأت من داخله.
فالذي يتعرّض للاختبار الآن ليس انتصار الغرب على خصومه، وإنما قدرة الغرب على الاستمرار في الإيمان بالنظام الذي أعلن انتصاره.
الشك في النموذج
بعد نهاية الحرب الباردة، بدا أن الغرب دخل مرحلة تاريخية جديدة تقوم على اقتصاد السوق، والديمقراطية التمثيلية، والعولمة، والتوسع التجاري، وتراجع الحدود أمام رأس المال والتكنولوجيا. غير أن العقود التالية كشفت وجهاً آخر للصورة: حروب مكلفة، وأزمات مالية، وتفاوت اقتصادي، وتراجع في الثقة بالمؤسسات، واستقطاب اجتماعي حاد، وهجرة تحوّلت في بعض المجتمعات إلى قضية وجودية، ثم انفجار وسائل التواصل الاجتماعي التي حوّلت المجال العام إلى ساحة دائمة للغضب والتعبئة.
من هنا، يصبح دونالد ترامب أكثر من مجرد ظاهرة أميركية. إنه أحد أعراض الأزمة الغربية، لأنه تمكّن من تحويل شعور قطاعات واسعة من المجتمع بأن النخب السياسية والثقافية والاقتصادية لم تعد تمثلها إلى مشروع سياسي قائم على استعادة الاعتبار والهوية والقوة الوطنية.
وهنا تحديداً، يعود فوكوياما إلى مفهوم «الثيموس»، أي حاجة الإنسان إلى الاعتراف بكرامته ومكانته. فالإنسان الذي يحصل على السلع والخدمات، لكنه يشعر بأنه محتقر أو منسي، يمكن أن يتحوّل إلى قوة سياسية غاضبة، حتى لو لم يكن يعاني بالضرورة من الفقر أو الحرمان.
أزمة المعنى قبل أزمة الاقتصاد
ربما تكمن أكثر أفكار فوكوياما إثارة في أنه أدرك مبكراً أن استقرار الديمقراطيات الليبرالية قد يُنتج مشكلة من نوع آخر. فعندما تختفي القضايا الكبرى، ويتحوّل الصراع السياسي إلى إدارة للاقتصاد وتحسين للخدمات وحسابات تقنية، قد يشعر الإنسان بأن شيئاً أساسياً انتُزع من حياته.
وهذا ما يبدو اليوم في الغرب بصورة واضحة. فالمشكلة ليست فقط في التضخم أو أسعار السكن أو الهجرة أو البطالة، وإنما في شعور قطاعات متزايدة بأن المجتمعات التي تعيش فيها فقدت اتجاهاً واضحاً، وأن النخب تتحدث بلغة المؤسسات والأرقام، فيما يبحث المواطن عن إجابة أبسط: من نحن؟ وإلى أين نذهب؟ ومن يحترمنا؟
ولهذا، لا ينبغي النظر إلى صعود الشعبوية باعتباره مجرد تمرد على النخب، بل باعتباره أيضاً تمرداً على فراغ المعنى الذي أنتجته مرحلة ما بعد الحرب الباردة.
الغرب الذي خاف من الديمقراطية
المفارقة الأكثر قسوة أن النموذج الذي أراد فوكوياما أن يراه نهاية للصراع أصبح اليوم يعاني أزمة ثقة داخلية. فالديمقراطية لم تعد مهددة فقط بانقلاب عسكري أو نظام شمولي، وإنما يمكن أن تتآكل من داخل صناديق الاقتراع نفسها، عندما تفقد المؤسسات احترامها، وعندما تتحوّل السياسة إلى معركة هويات، وعندما يصبح الخصم السياسي عدواً يجب التخلص منه، لا مواطناً يجب التعايش معه.
هنا، يصبح ترامب جزءاً من السؤال الأكبر: هل تستطيع الديمقراطية الليبرالية أن تدافع عن نفسها من دون أن تتحوّل إلى نظام مغلق يخشى الغضب الشعبي، أو إلى شعبوية تطيح بالضوابط التي تحمي الديمقراطية من نفسها؟
فوكوياما نفسه لم يعد يملك إجابة نهائية، وهو يعترف بذلك ضمناً عندما يقرّ بأن حرب العراق وأزمة 2008 أجبرتاه على إعادة النظر في قناعات أساسية حول القوة والأسواق والدولة.
التاريخ لم ينتهِ
لذلك، فإن القيمة الحقيقية لمراجعة فوكوياما ليست في الاعتراف بأنه أخطأ أو أصاب، بل في أنها تأتي من داخل المدرسة الفكرية التي اعتقدت أن الغرب وصل إلى المحطة الأخيرة في تطوره السياسي.
التاريخ لم ينتهِ، لكن الأخطر بالنسبة إلى الغرب أن التاريخ عاد إليه هو نفسه؛ عاد في صورة شعبوية، واستقطاب، وحروب، وأزمات ثقة، وصراع على الهوية، وشكّ في المؤسسات، وتراجع في اليقين بأن النموذج الغربي هو بالضرورة المستقبل الذي سيتبنّاه الجميع.
وهنا تصبح عبارة فوكوياما أكثر تعقيداً مما بدت عليه عام 1989. فـ«نهاية التاريخ» ربما لم تكن نهاية الصراع، بل نهاية وهم أن الغرب يستطيع أن يعتبر انتصاره حقيقة مكتملة لا تحتاج إلى مراجعة.
لقد ظنّ الغرب أنه انتصر على التاريخ، ثم اكتشف أن التاريخ لا ينتقم من المهزومين فقط؛ أحياناً يعود ليختبر المنتصرين أيضاً.
