من التفوق إلى القلق… إسرائيل في بيئة تتغيّر
ما يخشاه جنرالات إسرائيل ليس حربًا جديدة فقط، بل تغيُّر البيئة الإقليمية التي سمحت لها، لعقود، بأن تكون الطرف الأقوى والأكثر قدرة على فرض قواعد الاشتباك.
ثمة شيء يتغيّر في الشرق الأوسط، وإسرائيل بدأت تشعر به قبل أن تتمكّن من فهم اتجاهه النهائي. فالمسألة لم تعد جبهة غزة وحدها، ولا لبنان وحده، ولا إيران وحدها، بل احتمال تشكّل بيئة إقليمية جديدة تتقاطع فيها مصالح قوى كانت تتنافس تاريخيًا على النفوذ، وتصبح فيها قدرة إسرائيل على إدارة كل خصم منفردًا أكثر صعوبة.
تحوّل استراتيجي
هذا هو جوهر التحذير الذي يطرحه الجنرال الإسرائيلي إسحاق بريك، الذي لا يتعامل مع التطورات المحيطة بإسرائيل باعتبارها أزمات منفصلة، وإنما بوصفها مؤشرات على تحوّل استراتيجي أوسع. فبلاد الشام كانت، على مدى قرون، قلب الصراع بين القوى الإقليمية الكبرى، ومن يملك موقعها الجغرافي يمتلك جزءًا مهمًا من مفاتيح الحركة بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.
اليوم، تجد إسرائيل نفسها في قلب هذه الجغرافيا نفسها، لكن ما كان يمثّل مصدر قوة لها يمكن أن يتحوّل إلى مصدر قلق إذا تبدّلت موازين القوى المحيطة بها.
تركيا تعيد بناء حضورها كقوة إقليمية، ومصر تظل صاحبة وزن عسكري وجغرافي لا يمكن تجاوزه، والسعودية تعيد ترتيب موقعها في النظام الإقليمي والدولي، فيما تمثّل باكستان قوة عسكرية ونووية وازنة. أما سوريا، فتبقى إحدى الساحات الأساسية للصراع على النفوذ وإعادة تشكيل التوازنات.
هذه الدول ليست كتلة واحدة، ومصالحها ليست متطابقة، وليس من الواقعي افتراض أنها تتجه نحو تحالف عسكري موحّد ضد إسرائيل. لكن التحولات الاستراتيجية لا تحتاج دائمًا إلى تحالفات مكتملة. يكفي أن تتغيّر حسابات القوى الكبرى، وأن تتقاطع بعض مصالحها، وأن يصبح استمرار التفوق الإسرائيلي المطلق أقل قبولًا أو أقل قابلية للاستمرار. هنا يبدأ القلق الحقيقي في تل أبيب.
اختبار العقيدة
لقد قامت العقيدة الأمنية الإسرائيلية، لعقود، على مجموعة من الركائز: تفوق عسكري نوعي، ودعم أميركي، وتفوق استخباراتي، وقدرة على نقل الحرب إلى خارج الحدود، وبيئة عربية منقسمة سمحت لإسرائيل بالتعامل مع كل تهديد على حدة. لكن هذه الركائز تواجه اليوم اختبارًا صعبًا.
حرب غزة أظهرت حدود القوة العسكرية عندما لا تتحوّل إلى نتيجة سياسية حاسمة، وأعادت القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام الدولي، بينما باتت إسرائيل تواجه انتقادات متزايدة بسبب حجم الدمار والضحايا.
وفي الوقت نفسه، لم تعد العلاقة مع الولايات المتحدة، مهما بقيت استراتيجية، ضمانة تسمح لإسرائيل بالافتراض أن واشنطن ستدير كل أزماتها أو تتحمّل كل تكاليف خياراتها.
الخطر الداخلي
لكن الأخطر ربما يأتي من الداخل. فالمجتمع الإسرائيلي يشهد انقسامات سياسية ودينية واجتماعية عميقة، في وقت تحتاج فيه الدولة إلى أعلى درجات التماسك لمواجهة حرب طويلة ومتعددة الجبهات. وهذه ليست مسألة ثانوية، لأن قوة الجيش لا تُقاس بعدد الطائرات والصواريخ فقط، بل بقدرة المجتمع على تحمّل الكلفة البشرية والاقتصادية والسياسية للحرب، وعلى الحفاظ على وحدة القرار في لحظة الأزمة.
لذلك، تبدو الدعوات الإسرائيلية إلى إعادة بناء القوات البرية والجوية والبحرية، وتطوير الصواريخ والطائرات المسيّرة وأنظمة الطاقة والقدرات الدفاعية، والاستعداد لحرب متعددة الجبهات، انعكاسًا لقلق أعمق من مجرد الاستعداد لمعركة جديدة. إنها محاولة لإعادة تعريف الأمن القومي في ضوء واقع لم يعد يشبه الواقع الذي صيغت فيه العقيدة الإسرائيلية القديمة.
عقدة فلسطين
لكن هنا تظهر المفارقة: يمكن لإسرائيل أن تطوّر مزيدًا من الأسلحة، وأن ترفع مستوى قدراتها الاستخباراتية، وأن تعزّز تحالفاتها، لكنها لا تستطيع، بالوسائل العسكرية وحدها، أن تحسم مشكلة سياسية وتاريخية اسمها فلسطين.
وهذه النقطة هي التي تجعل المقاومة الفلسطينية عاملًا يتجاوز الحساب العسكري المباشر. فالمقاومة، رغم الكلفة الإنسانية الهائلة للصراع، أبقت القضية الفلسطينية حاضرة، ورفضت تحويلها إلى مجرد ملف أمني يمكن إغلاقه بالقوة.
وفي الحساب الإقليمي، لا يمكن فصل القضية الفلسطينية عن بقية التحولات، لأن استمرار الاحتلال والحرب يبقى أحد أهم مصادر التوتر التي تعيد إنتاج المواجهة وتؤثر في حسابات دول المنطقة.
وفي الوقت نفسه، فإن وجود إيران وحزب الله وسائر القوى الفاعلة في الإقليم يجعل احتمالات توسّع أي حرب أكثر تعقيدًا، لا لأن هذه القوى تشكّل بالضرورة جبهة واحدة، وإنما لأن تعدد مراكز القوة يحدّ من قدرة إسرائيل على التحكم وحدها في مسار التصعيد.
لا انهيار قريبًا
ومع ذلك، فإن القول إن إسرائيل أصبحت على وشك الانهيار سيكون مبالغة لا تخدم التحليل. فما زالت تمتلك تفوقًا عسكريًا وتكنولوجيًا واستخباراتيًا كبيرًا، وما زالت تتمتع بعلاقات استراتيجية مهمة، وفي مقدمتها العلاقة مع الولايات المتحدة.
كما أن القوى الإقليمية نفسها تملك مصالح متعارضة، ولا يوجد ما يضمن انتقالها تلقائيًا من التنافس إلى المواجهة المشتركة مع إسرائيل.
لكن جوهر التحول يقع في مكان آخر.
لم تعد إسرائيل قادرة، بالسهولة نفسها، على افتراض أن التفوق العسكري يكفي وحده لضمان موقعها الإقليمي. فالقوة تمنحها قدرة هائلة على الردع والضرب، لكنها لا تمنحها بالضرورة القدرة على فرض نهاية سياسية للحرب، ولا تستطيع وحدها إنتاج الاستقرار، أو إلغاء القضية الفلسطينية، أو منع صعود قوى إقليمية جديدة.
تعدّد القوة
لهذا، فإن الحديث عن «تحالف إقليمي» ضد إسرائيل قد يكون أقل أهمية من التحول الذي يجري في البيئة الاستراتيجية المحيطة بها. فالشرق الأوسط يتجه نحو تعدد أكبر في مراكز القوة، وتراجع نسبي في قدرة طرف واحد على فرض قواعد اللعبة، وتزايد في استقلالية القرارات الإقليمية. هنا تحديدًا ينبغي قراءة التحذير الإسرائيلي.
إسرائيل لا تواجه بالضرورة شرق أوسط موحّدًا ضدها، لكنها تواجه شرق أوسط لم يعد مضمونًا أن يبقى على الصورة التي اعتادت عليها، وهذا فرق جوهري.
فالدولة التي اعتادت أن تنظر إلى المنطقة من موقع القوة المطلقة تجد نفسها مضطرة إلى التعامل مع قوى أكثر استقلالًا، وجبهات أكثر تعقيدًا، وقضية فلسطينية عادت إلى الواجهة، ومجتمع داخلي يواجه انقسامات عميقة، وعلاقة مع الحليف الأميركي تحتاج إلى إدارة مستمرة، وليست شيكًا مفتوحًا.
السؤال المقبل
لذلك، فإن السؤال الاستراتيجي المقبل ليس: هل ستنشأ جبهة إقليمية موحّدة ضد إسرائيل؟ بل: هل تستطيع إسرائيل أن تحافظ على موقعها السابق في شرق أوسط تتغيّر موازينه؟
قد تظل إسرائيل قوة عسكرية كبرى لسنوات طويلة، وقد تستمر في امتلاك أدوات ردع هائلة. لكن القوة شيء، والقدرة على إدارة البيئة المحيطة شيء آخر.
وربما تكون هذه هي النقطة التي بدأ بعض جنرالات إسرائيل يدركونها: الخطر الحقيقي ليس أن تخسر إسرائيل حربًا واحدة، وإنما أن تدخل مرحلة يصبح فيها الانتصار العسكري غير كافٍ لاستعادة النظام الإقليمي الذي كانت تعرفه.
شرق أوسط جديد
فالشرق الأوسط لا يحتاج إلى أن يتوحّد كي يتغيّر. يكفي أن تتحرّك مراكز قوته في اتجاهات جديدة، وأن تفقد إسرائيل تدريجيًا قدرتها على أن تكون الطرف الذي يحدّد وحده شكل المنطقة وقواعد الصراع فيها.
