تحميل

إبحث

في الصميم

المال القذر يطرق أبواب سوريا الجديدة

syria_clean_money_investigation

في سوريا الجديدة، لم يعد الخطر يأتي فقط من الطائرات والمدافع. ثمة خطر آخر أكثر هدوءًا وأشدّ تعقيدًا، يطرق الأبواب باسم الاستثمار، وإعادة الإعمار، والوساطة التجارية، ويدخل أحيانًا تحت لافتات تبدو في ظاهرها اقتصادية، بينما قد تخفي وراءها شبكات نفوذ ومصالح وأموالًا يصعب تتبّع مصادرها وغاياتها.

نشر الناشط والإعلامي حسان عقاد تحقيقًا بعنوان «تحقيق عن محمد حمشو»، وسرعان ما تحوّل المنشور إلى ساحة امتزج فيها الدعم بالخوف. معلّقون يكتبون: «الله يحميك»، وآخرون: «سافر»، وثالث يقول: «الدولة عندها فكرة عن مهاراتك الاستخباراتية».

هذه العبارات ليست مجرد تعليقات عابرة. إنها تعكس شعورًا عامًا بأن كشف شبكات المال والنفوذ في بلد خرج لتوّه من حرب طويلة قد يكون أحيانًا أخطر من الفساد نفسه، وأن الاقتراب من بعض الملفات قد يعني الاقتراب من مصالح تتجاوز رجل أعمال أو شركة إلى شبكة أوسع من العلاقات والارتباطات.

«الموساد» في معادلة المال

الاختراق الاستخباراتي لا يحتاج دائمًا إلى جاسوس يحمل جهاز اتصال أو وثائق سرية. في عالم الاقتصاد، قد يبدأ الأمر برجل أعمال يقدّم عرضًا مغريًا، أو شركة وسيطة مسجلة خارج البلاد، أو حساب مصرفي، أو شريك تجاري لا تظهر خلفيته الحقيقية بسهولة.

هنا تصبح البيئات الفاسدة أرضًا مثالية للعمل الاستخباراتي. فالأجهزة الأجنبية لا تحتاج دائمًا إلى صناعة الفساد من الصفر؛ يكفي أحيانًا أن تستثمر في فساد موجود أصلًا.

«ضعاف النفوس» ليسوا جميعًا خونة بالمفهوم التقليدي. بعضهم جائع، وبعضهم طامع، وبعضهم غارق في الديون، وبعضهم يعتقد أن ما يفعله مجرد صفقة تجارية. لكن حين تختلط الحاجة بالطمع، وتغيب الرقابة، تصبح الثغرة الاقتصادية بابًا واسعًا للاختراق السياسي والأمني.

هنا تكمن الخطورة، لا يحتاج الخصم إلى اقتحام الدولة إذا كان قادرًا على شراء الطريق إليها.

سوق ما بعد الحرب

بعد سنوات الحرب، تتحول سوريا بطبيعتها إلى سوق ضخمة: إعمار، طاقة، اتصالات، عقارات، نقل، مصارف، ومشاريع بنى تحتية بمليارات الدولارات. لكن السؤال ليس فقط: من سيستثمر؟ السؤال الأخطر: بأي مال، ولحساب مَن، وتحت أي رقابة؟ إذا كانت العقود تُمنح بالواسطة، والشركات تُختار بعيدًا عن الشفافية، ورؤوس الأموال تتحرك من دون تدقيق حقيقي، فإن الاقتصاد نفسه قد يتحول إلى نقطة ضعف استراتيجية. المال القذر لا يدخل دائمًا من النافذة. أحيانًا يدخل من الباب الرئيسي، بعقد رسمي وختم قانوني وشركة مسجلة، حين يكون الحراس غافلين، أو فاسدين، أو جزءًا من اللعبة. والأخطبوط المالي لا يحتاج إلى السيطرة على كل الدولة. يكفيه أن يمد ذراعًا إلى قطاع الطاقة، وأخرى إلى الاتصالات، وثالثة إلى العقارات، ورابعة إلى مراكز القرار، حتى يصبح إخراجه لاحقًا أكثر كلفة من منعه منذ البداية.

الدولة الجدية تحمي المبلّغ، وتحفظ حقوق المتهم، ثم تترك الأدلة والقضاء يقولان الكلمة الأخيرة

التحقيق ليس الحكم

إذا كانت المعلومات التي نشرها عقاد دقيقة ومدعومة بأدلة قابلة للتحقق، فإن القضية تصبح أكبر من اسم شخص بعينه. عندها نحن أمام سؤال يتعلق بإمكان تحوّل رجال أعمال وشبكات مالية إلى جسور بين مصالح خارجية ومراكز تأثير داخل الاقتصاد السوري.

لكن التحقيق الصحفي، مهما كان مهمًا، لا يُغني عن التحقيق القضائي. الفيديو أو المنشور يفتح الملف، لكنه لا يغلقه. والاتهام لا يصبح حقيقة قضائية لمجرد انتشاره على مواقع التواصل.

هنا تبدأ مسؤولية الدولة: التحقق، والاستدعاء، والتدقيق في حركة الأموال والشركات والعقود، ثم إعلان النتائج للرأي العام. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يُفتح الملف، بل أن يُفتح ثم يُترك.

كل ملف كبير يُثار ثم يُدفن بلا نتيجة يتحول إلى رسالة سيئة للجميع: إلى الفاسد بأن بإمكانه الاستمرار، وإلى المبلّغ بأن لا أحد سيحميه، وإلى المواطن بأن الحقيقة لا قيمة لها.

حماية من يكشف

في دول ما بعد النزاعات، حماية المبلّغين ليست رفاهية قانونية، هي جزء من الأمن القومي. فالشخص الذي يكشف شبكة فساد أو غسل أموال أو اختراق اقتصادي قد يواجه التشويه، والتهديد، والابتزاز، وربما الملاحقة أو المنفى.

إذا امتلك حسان عقاد أو غيره معلومات جدية، فإن واجب الدولة ليس تبنّي روايته مسبقًا، بل حمايته والتحقق مما يقدمه من أدلة في آن واحد.

الحماية لا تعني أن كل ما يقوله صحيح، كما أن فتح التحقيق لا يعني إدانة كل من يرد اسمه فيه. الدولة الجدية تفعل الأمرين معًا: تحمي المبلّغ، وتحفظ حقوق المتهم، ثم تترك الأدلة والقضاء يقولان الكلمة الأخيرة.

هنا يُختبر فعلًا مفهوم «الدولة الفتية»: هل نحن أمام دولة مؤسسات، أم أمام إعادة تدوير لشبكات النفوذ بأسماء جديدة؟

درع أم بديل؟

يلعب المجتمع المدني والصحافة الاستقصائية دورًا بالغ الأهمية في سوريا الجديدة، لأنهما يملآن فراغًا تركته سنوات الخوف والرقابة والاحتكار. لكن المجتمع المدني لا يستطيع أن يكون بديلًا عن القضاء. ولا الصحفي يستطيع أن يتحول إلى نيابة عامة ومحكمة في الوقت نفسه.

المطلوب منظومة كاملة: قوانين لحماية المبلّغين، شفافية في العقود العامة، تدقيق في مصادر رؤوس الأموال، رقابة على الشركات الوسيطة، تجميد للأصول عند وجود شبهات جدية وفق القانون، وتعاون مالي وقضائي مع الدول التي تمر عبرها الأموال.

من دون ذلك، يبقى التحقيق مجرد صرخة عالية، وقد يدفع صاحبه ثمنها وحده.

حسان عقاد، في هذه القضية، ليس مجرد اسم، هو اختبار لطريقة تعامل سوريا الجديدة مع الحقيقة. إذا حُمِي حقه في التحقيق والنشر، وتولت المؤسسات المختصة التحقق من المعلومات ومحاسبة من تثبت مسؤوليته، فذلك يعني أن الدولة بدأت تبني مناعة حقيقية.

أما إذا تُرك كل شيء للتهديد والتشهير والتخويف والصمت، فستكون الرسالة أن الأخطبوط ما زال قادرًا على التحرك، مهما تغيرت الأسماء والرايات. الاقتصاد السوري الصاعد لن يكون مستقلًا حقًا إذا كانت بعض خيوطه مرتبطة بأموال مجهولة المصدر أو بشبكات مصالح عابرة للحدود.

وحماية سوريا من الاختراق لا تكون بالشعارات وحدها، ولا برفع الصوت ضد «الموساد» أو غيره، بل ببناء دولة تجعل الاختراق مكلفًا: قضاء مستقل، عقود شفافة، أجهزة رقابية فاعلة، ومجتمع لا يخاف من السؤال.

احموا من يكشف الحقيقة، وحققوا فيما يكشفه. ليس من أجل شخص واحد، بل لأن سوريا التي دفعت كل هذا الثمن لا تستحق أن تُباع من جديد، هذه المرة بصكوك استثمار وعقود شركات وحسابات مصرفية.
العلامات

يعجبك ايضاً

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا