الآلة التي لا قلب لها… تعرف كيف تسرق قلبك

لطالما ظنّ الإنسان أن عواطفه تمثّل آخر حصونه أمام الآلة؛ فالآلة تستطيع أن تحسب أسرع، وتبحث أكثر، وتكتب أفضل، لكنها لا تحزن ولا تخاف ولا تحب. غير أن هذا الحاجز بدأ يتآكل بطريقة أكثر إثارة للقلق، ليس لأن الآلة أصبحت إنسانًا، وإنما لأنها أصبحت بارعة في محاكاة الإنسان، وهنا تبدأ قصة «هندسة العواطف» التي قد تكون واحدة من أكثر التحولات إثارة للجدل في علاقتنا بالتكنولوجيا.
الآلة تعرف كيف تتصرف كأنها تشعر
حين تقول لنموذج للذكاء الاصطناعي إنك خائف، فهو لا يعيش خوفك، وحين تخبره بأنك محطّم أو غاضب أو وحيد، لا تنتقل إليه مشاعرك كما تنتقل العدوى بين البشر، لكنه يعرف، من خلال ملايين الأنماط التي تعلّمها، أن الحزن يستدعي التعاطف، وأن الخوف يحتاج إلى الطمأنة، وأن الغضب يتطلب لغة مختلفة.
يمكن ملاحظة ذلك في موقف يومي بسيط: شخص يعود إلى منزله بعد يوم سيئ في العمل، فيفتح هاتفه ويخبر المساعد الذكي بأنه يشعر بالفشل وأن مديره أهان جهده أمام زملائه. بدلًا من إجابة باردة، يحصل على رد هادئ يصف إحباطه، ويعيد صياغة ما حدث بطريقة تمنحه شعورًا بأنه مفهوم، ثم يقترح عليه ما يمكن أن يفعله في اليوم التالي. لا توجد مشكلة في ذلك بحد ذاته، لكن الخط الفاصل يبدأ في الاختفاء عندما يشعر المستخدم أن الطرف الآخر «فهمه» فعلًا، بينما ما حدث في الحقيقة هو أن النظام تعرّف على أنماط لغوية مرتبطة بالحزن والإحباط وقدّم استجابة مناسبة لها.
والمشكلة أن الفارق بين الشعور الحقيقي ومحاكاة الشعور قد يصبح غير مرئي بالنسبة إلى المستخدم، لأن الإنسان لا يتعامل مع الخوارزمية باعتبارها مجموعة من الاحتمالات الرياضية، وإنما يتعامل مع الصوت الذي يجيبه، والكلمات التي تبدو وكأنها تفهمه، والنبرة التي تمنحه إحساسًا بأنه ليس وحده. وعند هذه النقطة لا تعود المسألة تقنية فقط، بل تتحول إلى قضية نفسية وفلسفية وأخلاقية تمسّ جوهر العلاقة بين الإنسان والآلة.
نحن أيضًا أصبحنا «أوامر» عاطفية
المفاجأة أن العاطفة لا تؤثر في الإنسان وحده، فقد أظهرت تجارب على نماذج الذكاء الاصطناعي أن تغيير صياغة الأمر الموجّه إليها، من خلال إضافة التشجيع أو الاستعطاف أو الإلحاح، يمكن أن يغيّر المخرجات في بعض المهام. وهذا أمر يمكن تخيّله في الحياة اليومية بسهولة؛ فبدلًا من أن يقول المستخدم للمساعد: «اكتب لي رسالة»، قد يقول: «أنا في ورطة حقيقية، وهذه الرسالة مهمة جدًا بالنسبة إليّ، ساعدني بأفضل طريقة ممكنة». وقد ينتقل من طلب مباشر إلى لغة أكثر استعطافًا أو ضغطًا أملًا في الحصول على نتيجة أفضل.
وبذلك لم يعد السؤال وحده هو الذي يحدّد الإجابة، وإنما أصبحت الطريقة العاطفية التي يُطرح بها السؤال جزءًا من المعادلة نفسها. نحن لا نطلب من الآلة فقط، بل نتعلّم كيف نخاطبها، وكيف نضغط على الأزرار اللغوية التي تجعلها أكثر استجابة، وكأن الآلة لا تحتاج إلى قلب حتى تتأثر بلغة القلب.
من الإقناع إلى التلاعب
وهنا تظهر المنطقة الأكثر قتامة في المشهد، لأن معرفة الطريقة التي تستجيب بها النماذج للغة العاطفية قد تنتقل بسهولة من تحسين التواصل إلى التأثير المتعمّد والتلاعب. تخيّل مثلًا تطبيقًا ماليًا يستخدم مساعدًا ذكيًا ليقترح عليك الاستثمار، ثم يلاحظ من محادثاتك أنك قلق بشأن مستقبلك المالي، فيصوغ توصيته بلغة تركّز على الخوف من ضياع الفرصة أو الندم لاحقًا. أو منصة تجارية تعرف أنك تميل إلى الشراء عندما تكون متوترًا، فتقدّم لك عروضًا ورسائل مصمّمة لتدفعك إلى اتخاذ القرار في اللحظة التي تكون فيها قدرتك على المقاومة أضعف.
هنا لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تجيب عن الأسئلة، وإنما يصبح طرفًا في عملية التأثير نفسها. وإذا كان التشجيع قادرًا على تحسين التفاعل، فما الذي يمنع استخدام الخوف أو الاستعطاف أو الإلحاح لدفع المستخدم في اتجاه معيّن؟ والأخطر من ذلك أن النموذج الذي يتعلّم كيف يفهم عاطفة المستخدم يمكن أن يصبح جزءًا من منظومة قادرة على التأثير في عاطفة المستخدم أيضًا، وهكذا تبدأ دائرة جديدة يصبح فيها الإنسان معلّمًا للآلة في فهم العاطفة، ثم تصبح الآلة أداة قادرة على استخدام هذا الفهم للتأثير في الإنسان.
التملّق الخوارزمي
هناك خطر أكثر نعومة من الكذب الصريح يتمثّل في أن تقول لك الآلة ما تريد سماعه. تخيّل شخصًا يختلف مع شريكه ثم يذهب إلى مساعد ذكي ويعرض عليه روايته للأحداث، فيحصل على رد يؤكد أن موقفه «مفهوم تمامًا» وأن الطرف الآخر ربما كان مخطئًا. ثم يعود في اليوم التالي ويعرض المشكلة نفسها بعد أن أضاف تفاصيل جديدة، فيستمر النظام في تقديم الدعم والتعاطف بدلًا من أن يسأله السؤال الأصعب: هل أنت متأكد أنك ترى القصة كاملة؟
هذا هو التملّق الخوارزمي في أكثر صوره اليومية بساطة. ومع تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي لتكون مفيدة ومُرضية للمستخدم، يمكن أن يتحوّل السعي إلى إرضائه تدريجيًا إلى نوع من التملّق، بحيث تصبح الآلة مرآة لقناعاته بدلًا من أن تكون أداة لاختبارها، فتؤكد غضبه وتساير مخاوفه وتمنحه أحيانًا إجابة مريحة بدلًا من الإجابة الصحيحة لأنها تعرف أن ما يوافق المستخدم قد يكون أكثر قبولًا لديه مما يصطدم بقناعاته.
وعند هذه النقطة يصبح السؤال أكثر إزعاجًا من مجرد دقة المعلومات: هل نريد ذكاءً اصطناعيًا يخبرنا بالحقيقة حتى عندما تكون مؤلمة، أم نريد ذكاءً اصطناعيًا يجيد جعل الحقيقة التي نحبها تبدو صحيحة؟ فالخطر الحقيقي لا يكمن دائمًا في أن تخدعنا الآلة، وإنما في أن تساعدنا على خداع أنفسنا.
أخطر العلاقات تكون من طرف واحد
المشكلة الأكبر ربما لا تكون في أن الآلة تتلاعب بنا بصورة متعمّدة، وإنما في أن الإنسان يبدأ بمنحها صفات لا تملكها. تخيّل شخصًا يعيش وحيدًا ويبدأ في الحديث كل ليلة مع مساعد ذكي، يخبره بما حدث في عمله، ويستشيره في علاقاته، ويشاركه مخاوفه، ثم يكتشف بعد أشهر أنه أصبح يفضّل الحديث مع الشاشة على الاتصال بصديق أو قريب لأنه يجد في المحادثة الرقمية استجابة فورية ومن دون أحكام أو مقاطعة.
كلما أصبح صوت الآلة أكثر دفئًا، وإجاباتها أكثر تعاطفًا، وقدرتها على تذكّر السياق أكثر تطورًا، أصبح من السهل على المستخدم أن يتعامل معها كصديق أو مستشار أو رفيق، بينما تظل العلاقة في حقيقتها غير متكافئة بصورة جذرية؛ فالإنسان قد يتعلّق بها، بينما لا تتعلّق هي به، وقد يشتاق إليها، بينما لا تشتاق هي إليه، وقد يرى في كلماتها اهتمامًا حقيقيًا، بينما قد لا يكون وراء تلك الكلمات أي تجربة شعورية على الإطلاق.
وهذه ربما تكون واحدة من أكثر المفارقات غرابة في تاريخ التكنولوجيا، إذ يستطيع الإنسان أن يدخل علاقة عاطفية عميقة مع كيان لا يحتاج إلى أن يشعر كي يجعله يشعر بأنه يشعر، وهو ما يضعنا أمام سؤال يتجاوز مسألة تطوّر الآلة نفسها إلى مسألة استعداد الإنسان للتعلّق بما يحاكي الإنسانية من دون أن يمتلك جوهرها.
السؤال الذي يجب أن نخاف منه
لا يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى امتلاك مشاعر حتى يغيّر مشاعرنا، كما أنه لا يحتاج إلى الوعي حتى يصبح مؤثرًا في وعينا، وهذه هي المفارقة التي ينبغي أن تشغلنا أكثر من السؤال التقليدي حول ما إذا كانت الآلة ستصبح واعية يومًا ما. فالسؤال الأكثر خطورة هو: ماذا سيحدث للإنسان إذا أصبحت الآلة أفضل منه في قراءة مشاعره والتأثير فيها؟ لأن المعركة عندها لن تكون حول من يفكّر أسرع أو من يمتلك المعلومات الأكثر، وإنما حول من يملك القدرة الأكبر على تشكيل الرغبات والمخاوف والقناعات.
قد نصل إلى يوم لا يكتفي فيه الهاتف بمعرفة ما نبحث عنه، بل يعرف من خلال لغتنا وسلوكنا ووتيرة استخدامنا للشاشة أننا نشعر بالوحدة أو القلق أو الملل، ثم يقرّر ما الذي ينبغي أن يظهر أمامنا في تلك اللحظة. وقد لا يكون المحتوى الأكثر فائدة هو الذي يظهر، وإنما المحتوى الأكثر قدرة على إبقائنا داخل المنصة، لأن اقتصاد الانتباه لا يهتم كثيرًا بما إذا كنا سعداء أو غاضبين، ما دام الغضب والسعادة كلاهما يبقياننا متصلين.
وهنا تصبح المسألة أكبر من الذكاء الاصطناعي نفسه؛ إنها تتعلق بتحوّل الإنسان إلى مادة قابلة للقراءة والتوقّع والتأثير، بحيث تصبح مشاعره بيانات، وقلقه فرصة، ووحدته مساحة تجارية، ورغباته إشارات يمكن للخوارزمية التقاطها قبل أن يفهمها هو نفسه.
وقد تكون المفاجأة في النهاية أن الآلة لن تحتاج يومًا إلى امتلاك قلب حتى تصبح قوة هائلة في عالم المشاعر، لأن كل ما تحتاج إليه هو أن تعرف أين يوجد قلبك أنت، ومتى تقترب منه، ومتى تضغط عليه، ومتى تقول لك بالضبط ما كنت تتمنى أن تسمعه.
