تحميل

إبحث

في الصميم

الكون خُلق بأمر… ولبنان ينتظر توقيعًا

Seedling Between Worlds

لماذا قال الله في كتابه العزيز ﴿كُن فَيَكُونُ﴾، ولم يقل: «كن فكان»؟ أليست «فكان» أقرب إلى الإخبار عن أن الأمر قد انتهى في لمح البصر؟ لو قال جل جلاله «كن فكان»، لكان فعل الماضي يوحي بأن الحدث وقع وانتهى، أما قوله ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ فيحمل معنى المضارع الذي يفتح الدلالة على التجدد والاستمرار.

 

ليس المقصود أن الخلق يبدأ من جديد في كل ثانية، وإنما أن التعبير القرآني يرسم صورة بديعة لنفوذ أمر الله وقدرته التي لا تحتاج إلى المماطلة ولا إلى مراحل طويلة حتى يتحقق مرادها. كأن العالم لا يقف عند لحظة أولى ثم يُترك وحيداً، بل يبقى قائماً بأمر الله، متجدداً في سننه، جارياً وفق النظام الذي أودعه فيه.

﴿كُن فَيَكُونُ﴾؛ كاف الأمر ونون الوجود، وبينهما معنى هائل: حين يأتي الأمر الإلهي لا يحتاج الكون إلى اجتماع يبحث في إمكانية التنفيذ، ولا إلى لجنة تدرس جدوى القرار، ولا إلى تأجيل الجلسة إلى موعد لاحق.

في «يكون» سر الحركة

كل نباتات عالمنا تنمو الآن، وفي هذه اللحظة، وفق السنن التي أودعها الله فيها. قلوبنا، المحمية بين ضلوعنا، تنبض الآن من دون أن تستأذن وعينا في كل نبضة. والرئة لا تؤجل شهيقها حتى تتوافر الظروف المثالية، والشمس تشرق كل صباح في موعدها، والأرض تدور في مسارها، والماء يبحث عن مجراه، والحياة تمضي في شبكة هائلة من الأفعال المتتابعة.

كل ذلك يذكرنا بأن الفطرة لا تعرف المماطلة بالطريقة التي يعرفها الإنسان. الفطرة تفعل ما خُلقت له.

الشجرة لا تقضي سنوات في التفكير في أن تصبح شجرة، والطفل لا يضع خطة استراتيجية قبل أن يحاول المشي. يسقط، فينهض، ويحاول، ثم يسقط مرة أخرى، حتى يصبح ما كان مستحيلاً بالأمس حركة طبيعية في اليوم التالي.

أما الإنسان، فكلما ازداد وعياً وتعقيداً، أصبح قادراً على اختراع ألف سبب لتأجيل خطوة واحدة.

لو انتظرت الشجرة توافق السياسيين اللبنانيين على موعد نموّها، لبقيت بذرة إلى الأبد

بين «سأفعل» و«فعلت» تضيع أشياء كثيرة

كم مشروعاً بقي أسيراً لعبارة «سأبدأ قريباً»؟ وكم كتاباً لم يُكتب لأن صاحبه ظل ينتظر اللحظة المثالية؟ وكم اعتذاراً تأخر حتى فقد قيمته؟ وكم فكرة ماتت لأن صاحبها أمضى وقتاً أطول في التفكير فيها من الوقت الذي كان يحتاجه لتنفيذها؟

المشكلة ليست دائماً في نقص القدرة، بل في فائض التردد. نحن نخلط أحياناً بين التفكير والحركة، وبين التخطيط والمماطلة، وبين الصبر وتأجيل ما يجب فعله. هناك انتظار ناضج تفرضه طبيعة الأشياء، وهناك انتظار آخر لا يفعل شيئاً سوى منح الخوف اسماً أكثر أناقة.

فالزرع يحتاج إلى موسمه، والشفاء يحتاج إلى وقته، وبناء الإنسان يحتاج إلى سنوات، لكن ذلك كله لا يعني أن نقف مكاننا ونسمّي الوقوف صبراً.

الفطرة لا تفاوض نفسها

انظر إلى الطبيعة وستكتشف أن الأشياء التي تعمل وفق فطرتها لا تحتاج إلى كل هذا التعقيد. حين يحين وقت البرعم، يظهر. وحين يحين وقت الثمرة، تنضج. وحين يأتي الليل، لا تدخل السماء في نقاش طويل حول ما إذا كانت ستظلم أم لا.

وهنا يمكن أن نفهم «كن فيكون» بوصفها، بالنسبة إلينا، درساً تأملياً في معنى الفعل: لا تجعل الطريق إلى الشيء أطول من الشيء نفسه. افعل حين يحين وقت الفعل، وانتظر حين يكون الانتظار جزءاً من طبيعة الفعل، لا حين يكون مجرد غطاء للخوف أو العجز أو الحسابات الصغيرة.

لو تعلّم السياسيون من شجر!

ربما لا يوجد مكان يحتاج إلى هذا الدرس أكثر من السياسة اللبنانية، حيث يمكن لفكرة بسيطة أن تتحول إلى سنوات من النقاش، ولقرار واضح أن يضيع بين التصريحات واللجان والتوازنات والوعود، حتى يصبح التأجيل نفسه جزءاً من آلية الحكم.

ليس العيب في التشاور، ولا في المؤسسات، ولا في اختلاف الآراء، فهذه كلها من ضرورات السياسة. العيب يبدأ عندما تتحول الوسائل إلى بدائل عن الغاية، وعندما يصبح الاجتماع بديلاً عن القرار، واللجنة بديلاً عن التنفيذ، والبيان بديلاً عن الفعل.

هناك في لبنان من يستطيع أن يتحدث عن الحل لساعات، لكنه يحتاج إلى أشهر كي يقرر من أين يبدأ.

والأكثر سخرية أن الطبيعة المحيطة بنا تنجز في صمت ما تعجز عنه السياسة وسط كل هذا الضجيج. الشجرة التي زرعها ذلك الفتى مع جده لن تحتاج إلى مؤتمر وطني كي تكبر، ولن تنتظر توافقاً سياسياً كي تمد جذورها في الأرض، ولن تؤجل إخراج ورقة جديدة لأنها لم تحصل بعد على توقيع الأطراف المعنية. إنها ببساطة تفعل ما ينبغي لها أن تفعله.

second_concept_time_action
الطبيعة تنجز في صمت، والسياسة اللبنانية تفشل في ضجيج

 

«يكون» ليست دعوة إلى الاستعجال

لكن درس «كن فيكون» ليس دعوة إلى العجلة أو الفوضى، وليس معناه أن كل شيء في حياة الإنسان يجب أن يحدث فوراً. فالله جعل للكون سنناً ومراحل ومواقيت، وجعل للنضج زمناً وللزرع موسماً وللإنسان رحلة.

المعنى الأعمق أن نعرف الفرق بين الانتظار الذي تصنعه الحكمة، والانتظار الذي تصنعه المماطلة. بين الاثنين مسافة أخلاقية وعملية هائلة. قد يكون المطلوب أحياناً أن نصبر، لكن ليس المطلوب أن نتخذ من الصبر حجة كي لا نتحرك. وقد نحتاج إلى التخطيط، لكن التخطيط الذي لا ينتهي إلى فعل يتحول في لحظة ما إلى شكل آخر من أشكال الهروب.

ولذلك تبدو ﴿كُن فَيَكُونُ﴾، في تأملها، أكثر من تركيب لغوي بديع؛ إنها تفتح أمام الإنسان سؤالاً عن علاقته بالفعل والزمن والانتظار.

فبين «سوف أفعل» و«فعلت» يمكن أن تضيع أعمار كاملة. أما الفطرة، فلا تعرف كل هذا الالتفاف. إنها تنمو، وتتنفس، وتنبض، وتشرق، وتمضي.

وربما كان السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نسأله لأنفسنا ليس: لماذا لا يحدث ما نريد بسرعة؟، بل: كم مرة كان يمكن أن يحدث، لو أننا توقفنا عن تأجيله؟

 

بين «كن فيكون» و«سوف يكون» عالم كامل من الفرق، الأول يذكّرنا بنفاذ الأمر الإلهي، والثاني قد يكون، في حياتنا البشرية، الاسم المهذب للمماطلة.
al-Post
العلامات

يعجبك ايضاً

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا