تحميل

إبحث

في الصميم

إيران والدرس الياباني… أوهامُ القوة التي تُدمِّر الدول

Echoes Across a Divided Battlefield

قراءة تاريخية وسياسية في أوجه التشابه بين القيادة اليابانية خلال الحرب العالمية الثانية والقيادة الإيرانية المعاصرة، وحدود المقارنة بين مصير الإمبراطور هيروهيتو ومستقبل الجمهورية الإسلامية

العقيدة أقوى من حسابات القوة

لم تخسر اليابان الحرب العالمية الثانية لأنها افتقرت إلى الشجاعة، ولا لأن قادتها كانوا يجهلون قوة الولايات المتحدة. لقد دخلت حربًا مع خصم يتفوق عليها صناعيًا واقتصاديًا، بعدما أصبحت الخيارات السياسية أسيرة حسابات المؤسسة العسكرية، والخوف من التراجع، والاعتقاد بأن القدرة على إلحاق خسائر بالعدو يمكن أن تعوّض الاختلال الكبير في موازين القوة. هنا تبدأ المقارنة مع إيران المعاصرة.

فالمشكلة التي تستحق الدراسة ليست التشابه بين الجيش الإمبراطوري الياباني والحرس الثوري الإيراني في العقيدة أو التنظيم، وإنما التشابه المحتمل في الطريقة التي تُدار بها الأزمات عندما تصبح المحافظة على هيبة النظام ومصداقية ردعه عاملًا قد يطغى على الحسابات الاقتصادية والعسكرية.

لكن المقارنة الدقيقة تتطلب الاعتراف منذ البداية بحقيقة أساسية: إيران ليست اليابان الإمبراطورية، والنظام الدولي اليوم ليس نظام عام 1945. ومع ذلك، تقدم التجربة اليابانية درسًا بالغ الأهمية عن الكيفية التي قد تقود بها التقديرات الخاطئة للقدرة على الصمود دولةً إلى نتائج تتجاوز بكثير ما كانت قيادتها مستعدة لقبوله عند بداية المواجهة.

المؤسسة العسكرية… شريك

كانت اليابان قبل الحرب العالمية الثانية تملك مؤسسات حكومية مدنية، وبرلمانًا، وحكومة يرأسها رئيس وزراء. لكن هذه المؤسسات لم تكن تمتلك السيطرة الكاملة على القوات المسلحة.

فقد تمتع الجيش والبحرية اليابانيان باستقلال مؤسسي واسع، واستطاعت القيادات العسكرية التأثير بصورة حاسمة في تشكيل الحكومات والقرارات الاستراتيجية. كما أدى التنافس بين الجيش والبحرية، وتعدد مراكز القرار، إلى صعوبة الوصول إلى سياسة موحدة توازن بين الأهداف العسكرية والموارد المتاحة لتحقيقها.

لم يكن الإمبراطور هيروهيتو مجرد رمز منفصل تمامًا عن صنع القرار، كما حاولت بعض الروايات اللاحقة تصويره، فقد كان جزءًا من النظام الذي اتخذ قرارات الحرب، وإن ظلت درجة مسؤوليته المباشرة عن القرارات المختلفة موضع نقاش تاريخي.

أما في إيران، فإن العلاقة بين السياسة والعسكر تتخذ شكلًا مختلفًا، لكنها تثير سؤالًا مشابهًا عن توزيع السلطة الفعلية. فالحرس الثوري ليس مجرد مؤسسة عسكرية تقليدية تنفذ قرارات حكومة مدنية مستقلة عنها، وإنما مؤسسة ذات امتدادات أمنية واقتصادية وسياسية، ترتبط بمنظومة السلطة المحيطة بموقع المرشد الأعلى.

ومن ثم، فإن القرارات المتعلقة بالأمن القومي، وبمواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، وبالسياسة الإقليمية، لا يمكن فهمها من خلال الحكومة المنتخبة وحدها. وجه الشبه الحقيقي هو وجود مؤسسة عسكرية وأمنية تتمتع بنفوذ سياسي واستراتيجي يتجاوز الوظائف العسكرية التقليدية.

لكن الفارق جوهري أيضًا؛ فقد عانت اليابان من انقسامات وتنافس بين مراكز القيادة العسكرية، بينما تقوم البنية الإيرانية على مركز سلطة أعلى ترتبط به مؤسسات أمنية وعسكرية متعددة. ولذلك، لا يجوز الاستنتاج تلقائيًا أن إيران تعاني الانقسام القيادي نفسه الذي عرفته طوكيو.

حين تصبح الحرب دفاعًا عن القرار الذي أشعلها، يتحول الوطن إلى رهينة لكرامة صانعي القرار

إرادة القتال لا تعوّض التفوق المادي

عندما قررت اليابان مهاجمة بيرل هاربر في السابع من ديسمبر 1941، كان قادتها العسكريون يدركون أن الولايات المتحدة تمتلك قدرات صناعية واقتصادية تفوق قدرات بلادهم.

لم تكن خطتهم الأساسية تقوم على غزو الولايات المتحدة أو تدمير قدرتها الصناعية، بل على توجيه ضربة استباقية لأسطولها في المحيط الهادئ، والاستيلاء على مواقع استراتيجية وموارد حيوية، ثم بناء وضع عسكري يجعل استمرار الحرب مكلفًا بما يكفي لدفع واشنطن إلى قبول تسوية.

كان الرهان، في جوهره، على أن تحقيق مكاسب عسكرية مبكرة ورفع تكلفة المواجهة يمكن أن يغيّر القرار السياسي الأميركي. لكن هذا الرهان فشل. لم تؤدِّ الضربة اليابانية إلى إخراج الولايات المتحدة من الحرب، بل ساعدت على توحيد الرأي العام الأميركي خلف خوضها، ثم سمح التفوق الصناعي الأميركي بتحويل الحرب الطويلة إلى صراع استنزاف لم تستطع اليابان مجاراته.

في الحالة الإيرانية، يظهر وجه شبه محتمل في الاعتماد على الردع غير المتكافئ. فبدلًا من محاولة مضاهاة التفوق الجوي والتكنولوجي الأميركي والإسرائيلي بصورة مباشرة، بنت إيران جانبًا مهمًا من قدرتها على الصواريخ والطائرات المسيّرة وشبكات الحلفاء والشركاء الإقليميين، وعلى إمكان تهديد المصالح العسكرية والاقتصادية لخصومها.

هذه الاستراتيجية ليست غير عقلانية بطبيعتها، بل إن الردع غير المتكافئ قد يكون وسيلة فعالة لدولة تواجه خصومًا أكثر تقدمًا عسكريًا. وتبدأ المشكلة إذا افترضت القيادة أن قدرتها على إلحاق الضرر بخصومها تعني بالضرورة قدرتها على فرض شروط إنهاء الحرب. فإيلام العدو شيء، وإجباره على قبول تسوية سياسية شيء آخر.

قد تمتلك الدولة الوسائل الكافية لرفع تكلفة المواجهة، من دون أن تمتلك القدرة على منع خصومها من تدمير جزء كبير من بنيتها العسكرية أو الاقتصادية. وهذا تحديدًا أحد أهم الدروس التي تقدمها التجربة اليابانية.

التراجع أخطر سياسيًا من المواجهة

واجهت القيادة اليابانية في عام 1941 أزمة استراتيجية حقيقية. كانت الحرب في الصين تستنزف الموارد اليابانية، كما أدت العقوبات الأميركية، وخصوصًا القيود النفطية التي بلغت مرحلة شديدة في عام 1941، إلى تهديد قدرة اليابان على مواصلة سياستها العسكرية.

وجد القادة اليابانيون أنفسهم أمام خيارات صعبة: تقديم تنازلات كبيرة في الصين والهند الصينية، أو مواجهة تدهور قدرتهم العسكرية بمرور الوقت، أو الدخول في حرب للحصول على الموارد وفرض واقع استراتيجي جديد. لكن هذه الخيارات لم تكن متساوية في نظر المؤسسة العسكرية.

فالتراجع كان يعني، بالنسبة إلى قطاعات مؤثرة داخل القيادة، تقويض الإنجازات التي قدمتها للرأي العام باعتبارها دليلًا على عظمة اليابان ومكانتها. هكذا أصبح الدفاع عن الهيبة عنصرًا مؤثرًا في قرار الحرب.

في الحالة الإيرانية، ترتبط السياسة الإقليمية والمواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل بتاريخ طويل من الشرعية الثورية والخطاب السياسي والاعتبارات الأمنية. قد تجعل هذه العلاقة تقديم التنازلات أكثر تعقيدًا، لأن بعض الخيارات قد يُفسَّر داخل النظام أو بين مؤيديه بوصفه تراجعًا عن مبادئ أساسية.

لكن علينا التمييز بين أمرين: أن يكون التراجع مكلفًا سياسيًا، وأن يكون مستحيلًا.

فإيران سبق أن أظهرت قدرة على البراغماتية عندما رأت قيادتها أن استمرار المواجهة يهدد مصالح أكثر جوهرية. وأوضح مثال على ذلك قبول آية الله الخميني قرار وقف إطلاق النار مع العراق عام 1988، بعد حرب استمرت ثماني سنوات، رغم أن هذا القرار كان مؤلمًا سياسيًا ورمزيًا.

وبالتالي، لا يصح القول إن القيادة الإيرانية ترفض التسويات بطبيعتها. إنما السؤال الأدق هو: هل تستطيع القيادة الإيرانية، في لحظة أزمة كبرى، الفصل بين بقاء الدولة والنظام من جهة، والحفاظ على صورة الانتصار والمكانة السياسية من جهة أخرى؟ ذلك هو السؤال نفسه الذي تأخرت القيادة اليابانية في الإجابة عنه.

الصمود يستنزف الدولة

بحلول عام 1944، كانت فرص اليابان في تحقيق نصر عسكري حاسم قد تضاءلت بشدة، ومع ذلك، استمرت الحرب. لم يكن جميع القادة اليابانيين يعتقدون بإمكان تحقيق انتصار شامل. فقد راهن بعضهم على أن إلحاق خسائر هائلة بالقوات الأميركية، خصوصًا عند محاولة غزو الجزر اليابانية، قد يدفع واشنطن إلى تخفيف شروط الاستسلام.

هنا حدث التحول الأخطر: لم تعد التضحية وسيلة لتحقيق النصر التقليدي، بل أصبحت وسيلة لمحاولة تحسين شروط الهزيمة. وقد ظهر ذلك في معارك شديدة الدموية، وفي الهجمات الانتحارية، وفي الاستعدادات للدفاع عن الجزر اليابانية.

أما بالنسبة إلى إيران، فإن السيناريو الذي ينبغي التحذير منه هو انتقال أي مواجهة واسعة من منطق الردع المحدود إلى منطق الاستنزاف المتبادل. إذا أصبحت الضربات العسكرية المتبادلة وسيلة لإثبات القدرة على الصمود أكثر من كونها أدوات لتحقيق هدف سياسي قابل للتحقق، فقد تدخل الأطراف في حلقة تصعيد يصعب إيقافها.

غير أن الفارق المهم هنا أن اليابان خاضت حربًا شاملة عبر جبهات واسعة، بينما لا يمكن افتراض أن أي مواجهة إيرانية ستبلغ المستوى نفسه، أو أنها ستتطور بالضرورة إلى حرب وجودية. فمدة الحرب، وأهداف الأطراف، وقدرة الوساطة الدولية، وحدود التصعيد، عوامل ستحدد طبيعة النتيجة.

الدرس التاريخي ليس أن الصمود خطأ، بل أن الصمود من دون هدف سياسي واقعي قد يتحول من مصدر قوة إلى سبب لاستنزاف القدرة الوطنية.

history_comparison_cover
أخطر أنواع الهزيمة تلك التي ترتدي ثياب الانتصار، وتطلب من الشعوب المزيد من التضحيات

لماذا استسلمت اليابان؟

من أكبر المغالطات التاريخية اختزال استسلام اليابان في القنبلتين النوويتين وحدهما. صحيح أن الولايات المتحدة ألقت قنبلة ذرية على هيروشيما في السادس من أغسطس 1945، ثم على ناغازاكي في التاسع من أغسطس، لكن الأحداث التي دفعت القيادة اليابانية إلى قبول الاستسلام كانت أكثر تعقيدًا.

فقد كانت المدن اليابانية تتعرض منذ أشهر لقصف مدمر، وكانت البلاد تعاني حصارًا بحريًا ونقصًا حادًا في الموارد، بينما فقدت القوات اليابانية قدرتها على تغيير اتجاه الحرب. ثم جاء التطور الاستراتيجي بالغ الخطورة: دخول الاتحاد السوفيتي الحرب ضد اليابان في التاسع من أغسطس 1945، وشنّ هجوم واسع على القوات اليابانية في منشوريا.

بهذا التطور، انهار أحد آخر الآمال اليابانية في استخدام موسكو وسيطًا للحصول على شروط سلام أفضل. ولا يزال المؤرخون يناقشون الوزن النسبي للقنبلتين الذريتين والدخول السوفيتي في قرار الاستسلام، لكن من الصعب تفسير النهاية تفسيرًا دقيقًا بعامل واحد. وفي الخامس عشر من أغسطس، أعلن الإمبراطور هيروهيتو قبول الاستسلام، قبل توقيعه رسميًا في الثاني من سبتمبر 1945.

المفارقة التاريخية الأهم

لم تنتظر اليابان حتى تختفي كل قواتها المسلحة أو يُقتل كل قادتها. لقد استسلمت عندما أصبحت تكلفة استمرار الحرب، مع انهيار آمال التسوية بشروط أفضل، أكبر من قدرة القيادة على تبرير مواصلتها.

وكانت هناك نقطة حاسمة أخرى: ساعد إمكان الاحتفاظ بالمؤسسة الإمبراطورية، ولو في ظل سلطة الاحتلال الأميركي، على جعل قبول الاستسلام أكثر قابلية للتنفيذ داخل النظام الياباني. وهذا عامل مهم عند الانتقال إلى المقارنة مع إيران.

هل تنتهي الأزمة الإيرانية بالطريقة اليابانية؟

الإجابة الدقيقة هي: نعم، قد تتشابه آلية الوصول إلى التسوية تحت ضغط استراتيجي شديد، لكن التشابه في شكل النهاية ليس أمرًا مرجحًا بالضرورة.

لفهم ذلك، ينبغي التمييز بين ثلاثة سيناريوهات رئيسية.

تسوية تحت الضغط

تتعرض إيران لضغوط عسكرية واقتصادية وسياسية تجعل استمرار التصعيد مكلفًا، فتقبل باتفاق يتضمن تنازلات جوهرية مقابل وقف العمليات وضمانات أمنية أو رفع بعض الضغوط. هذا هو الأقرب إلى الدرس الياباني من حيث تغليب البقاء على الأهداف السابقة، وليس بالضرورة من حيث الاستسلام الكامل.

استمرار النظام مع تراجع قدرته الإقليمية

قد تتعرض البنية العسكرية أو الاقتصادية الإيرانية لأضرار كبيرة، فتضطر القيادة إلى تقليص طموحاتها الخارجية والتركيز على الداخل. وهنا يمكن أن يستمر النظام السياسي رغم تغير ميزان القوة، مثلما استمرت المؤسسة الإمبراطورية اليابانية بصورة مختلفة جذريًا بعد الحرب. لكن لا توجد ضمانة بأن المؤسسات الإيرانية ستتكيف بالطريقة نفسها.

أزمة داخلية وإعادة تشكيل السلطة

إذا تزامن الاستنزاف العسكري والاقتصادي مع انقسامات داخل مراكز القرار أو اضطرابات داخلية واسعة، فقد تدخل إيران مرحلة إعادة ترتيب سياسي أعمق. لكن انهيار النظام ليس نتيجة تلقائية للهزيمة العسكرية، ولا تقدم التجربة اليابانية دليلًا كافيًا للتنبؤ به.

وهناك احتمال رابع لا يصح تجاهله: نجاح الردع أو الدبلوماسية في احتواء المواجهة قبل الوصول إلى أي من هذه النهايات. ووجود هذا الاحتمال وحده يمنع تحويل التاريخ الياباني إلى نبوءة عن المستقبل الإيراني.

أين تتوقف المقارنة بين اليابان وإيران؟

رغم أوجه التشابه بين القيادة اليابانية خلال الحرب العالمية الثانية والقيادة الإيرانية المعاصرة، فإن المقارنة الدقيقة تفرض الاعتراف بفروق جوهرية بين التجربتين، سواء من حيث طبيعة النظام السياسي، أو الأهداف الاستراتيجية، أو الظروف العسكرية والدولية المحيطة بكل منهما.

فاليابان الإمبراطورية كانت قوة توسعية انتهجت سياسة الاحتلال العسكري المباشر، وسيطرت على مساحات واسعة من آسيا سعيًا إلى بناء إمبراطورية إقليمية تضمن لها النفوذ والموارد. أما إيران، فهي قوة إقليمية تعتمد على مزيج من القدرات العسكرية المباشرة والتحالفات وشبكات النفوذ السياسي والعسكري خارج حدودها. ورغم أن سياستها الإقليمية أثارت صراعات حادة مع دول عديدة، فإن طبيعة هذا النفوذ لا تتطابق مع المشروع الإمبراطوري الياباني القائم على الغزو والاحتلال المباشر.

ويبرز اختلاف آخر في طبيعة المواجهة العسكرية. فقد خاضت اليابان حربًا شاملة ضد تحالف من القوى الكبرى، شملت عمليات قتالية واسعة النطاق على جبهات متعددة، وانتهت بتدمير أجزاء كبيرة من بنيتها العسكرية والاقتصادية. أما المواجهة الإيرانية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، فلا يجوز افتراض أنها ستتطور بالضرورة إلى حرب شاملة بالمستوى نفسه، أو أن أهداف أطرافها ستصل إلى فرض استسلام غير مشروط. فطبيعة العمليات العسكرية، وحجم التصعيد، والأهداف السياسية المعلنة والفعلية، كلها عوامل تحدد مسار الأزمة ونتائجها.

أما على مستوى القيادة السياسية، فقد استند النظام الياباني إلى مؤسسة إمبراطورية ذات شرعية وراثية ورمزية دينية وقومية، بينما يستند النظام الإيراني إلى مزيج من الشرعية الدينية والثورية والمؤسسات الجمهورية الخاضعة لسلطات دستورية عليا تتمثل في موقع المرشد. ورغم تأثير العقيدة السياسية في النظامين، فإن الاختلاف في بنية السلطة ومصادر شرعيتها يمنع التعامل معهما بوصفهما نموذجًا واحدًا.

ويظهر الفارق الأكثر أهمية عند النظر إلى طبيعة النهاية التي شهدتها اليابان. فقد انتهت الحرب باستسلام رسمي أعقبه احتلال أميركي مباشر، وإعادة تشكيل واسعة للنظام السياسي والمؤسسات العسكرية، مع الإبقاء على الإمبراطور في موقع رمزي منزوع السلطة السياسية الحاكمة.

أما في الحالة الإيرانية، فلا توجد قاعدة تاريخية أو استراتيجية تفرض تكرار هذا السيناريو. فإيران تختلف عن اليابان من حيث المساحة والجغرافيا والتركيبة السكانية والبيئة الإقليمية، كما أن احتلال دولة بهذا الحجم وفرض نظام سياسي جديد عليها ينطوي على تكاليف وتعقيدات لا يمكن تجاهلها.

الأهم من ذلك أن الهزيمة العسكرية، حتى لو كانت قاسية، لا تعني بالضرورة سقوط النظام السياسي. فقد تنتهي المواجهة بإضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، أو بتقليص نفوذها الإقليمي، أو بفرض تسوية سياسية مؤلمة، من دون أن يؤدي ذلك إلى انهيار مؤسسات الحكم.

في المقابل، قد تتسبب ضغوط عسكرية واقتصادية شديدة، إذا اقترنت بأزمات داخلية وانقسامات في مراكز السلطة، في تغييرات سياسية أعمق. لكن هذه الاحتمالات تظل مرتبطة بالظروف الفعلية للأزمة، ولا يمكن استنتاجها من التجربة اليابانية وحدها.

وهنا يجب التمييز بين التشابه في الأخطاء الاستراتيجية والتطابق في المصير. فقد تقع قيادتان مختلفتان في الخطأ نفسه، مثل المبالغة في تقدير القدرة على الصمود أو التقليل من إمكانات الخصم، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن تكون النتائج متشابهة. ولهذا، فإن المقارنة بين اليابان وإيران لا ينبغي أن تقوم على افتراض أن التاريخ سيعيد نفسه، وإنما على دراسة الكيفية التي يمكن أن تتحول بها حسابات الردع والهيبة السياسية إلى قرارات تتجاوز قدرات الدولة الفعلية.

فالتاريخ لا يكرر أحداثه بصورة حرفية، لكنه يكشف أنماطًا من الأخطاء قد تتكرر عندما تعجز القيادات عن التمييز بين ما ترغب في تحقيقه وما تمتلك القدرة الحقيقية على تحقيقه.

الدرس الذي لا ترغب القيادات في سماعه

تكمن مأساة اليابان في أن الاعتراف بالواقع جاء بعد أن أصبحت خسائر الحرب هائلة. كان يمكن أن تختلف بعض تفاصيل مسار النهاية لو جرى التعامل مبكرًا مع التفاوت الصناعي والعسكري، ومع محدودية فرص فرض شروط على الولايات المتحدة.

لكن القول إن اليابان كان بوسعها تجنب كل الدمار بمجرد اتخاذ قرار مختلف في لحظة محددة يتجاوز ما يستطيع التاريخ إثباته. الأمر نفسه ينطبق على إيران.

فلا يكفي أن تكون الدولة قادرة على شن هجمات مؤلمة حتى تكون قادرة على تحمّل حرب ممتدة. ولا يكفي أن يمتلك النظام قاعدة مؤيدة ومؤسسات أمنية قوية حتى تكون تكاليف الحرب مقبولة اجتماعيًا واقتصاديًا.

في المقابل، لا ينعكس تفوق خصوم إيران عسكريًا في قدرتهم على تحقيق جميع أهدافهم السياسية. فقد تستطيع قوة متفوقة تدمير منشآت أو إضعاف قدرات عسكرية، من دون أن تتمكن من فرض نظام سياسي جديد أو تسوية مستقرة.

لهذا، يجب أن يقيس الطرفان النجاح بما يمكن تحقيقه سياسيًا، لا بحجم الدمار الذي يستطيع كل منهما إلحاقه بالآخر. إن أخطر ما قد تفعله أي قيادة في لحظة كهذه هو أن تجعل استمرار المواجهة دليلًا بحد ذاته على صحة قراراتها السابقة.

فعندما تصبح الحرب وسيلة للدفاع عن القرار الذي بدأها، تتراجع القدرة على مراجعة ذلك القرار حتى لو تغيرت الظروف التي اتُّخذ في ظلها.

هل تدرك طهران ما أدركته طوكيو متأخرة؟

لم تكن نهاية اليابان عام 1945 نتيجة مباشرة للشعارات العسكرية وحدها، بل حصيلة تفاعل معقد بين قرارات استراتيجية خاطئة، وتفوق الخصوم، والاستنزاف الاقتصادي، وتدهور الموقف العسكري، وانهيار خيارات التفاوض.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية للمقارنة مع إيران.

فالسؤال ليس ما إذا كانت طهران ستتعرض لقنبلة نووية، أو ما إذا كانت ستوقّع وثيقة استسلام شبيهة بتلك التي وقعتها اليابان على متن البارجة الأميركية ميسوري. فهذه تصورات لا توجد أدلة كافية تجعلها توقعات مسؤولة.

السؤال الأكثر جدية هو ما إذا كانت القيادة الإيرانية قادرة على تقييم حدود قوتها، وفهم أهداف خصومها، وتحديد اللحظة التي يصبح فيها التفاوض أقل تكلفة من استمرار التصعيد.

لقد انتهت الحرب بالنسبة إلى اليابان عندما أدركت قيادتها، بعد خسائر كارثية، أن المحافظة على ما تبقى من الدولة تتطلب التخلي عن أهداف لم يعد ممكنًا تحقيقها. قد تجد إيران نفسها أمام معضلة تشبه ذلك من حيث المنطق الاستراتيجي، لا من حيث حجم الدمار أو الشكل النهائي.

فالدرس الياباني لا يقول إن كل دولة تواجه قوة عظمى ستُهزم، ولا إن المقاومة تؤدي حتمًا إلى الكارثة. بل يقول إن أخطر لحظة في تاريخ الدول هي تلك التي تعجز فيها القيادة عن التمييز بين الدفاع عن الوطن والدفاع عن قراراتها السابقة.

اليابان لم تسقط لأنها افتقرت إلى المقاتلين المستعدين للموت، بل لأنها وصلت إلى لحظة لم يعد فيها استعدادهم للموت قادرًا على تغيير نتيجة الحرب. أما إيران، فلا يزال الحكم على مآل أزمتها مرهونًا بخيارات قيادتها وخصومها، وبقدرتهم جميعًا على إدراك أن امتلاك وسائل التصعيد لا يعني امتلاك القدرة على التحكم في نهايته.
al-Post
الأمين العام ل"تيار المستقبل"
العلامات

يعجبك ايضاً

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا