صيدا… صناعة الزعامة على حساب أحلام الشباب
حين تمشي في شوارع صيدا اليوم، يستوقفك تناقض صارخ يمزّق روح المدينة بصمت. من جهة، ترى الواجهات المتجددة واللافتات والمؤتمرات والمناسبات البروتوكولية التي تزدحم فيها الكلمات الرنانة والوعود المعسولة، ومن جهة أخرى، يقف الشباب الصيداوي أمام واقع معيشي سُدّت في وجهه سبل النجاة، وضاقت معه فرص العمل والحياة الكريمة.
هنا، في قلب عاصمة الجنوب، تتسع الهوّة بين ما تلتقطه عدسات الكاميرات وما يعيشه أهل المدينة في يومياتهم القاسية. إنها مدينة تُرسم على واجهاتها مظاهر البهجة الزائفة، فيما يكافح أبناؤها لتأمين أبسط مقومات العيش.
مدينة الاستعراض
لم تعد صيدا، بالنسبة إلى كثير من زعمائها ومسؤوليها، سوى مسرح كبير للعروض الزائفة والمظاهر الخادعة. تراهم يتسابقون إلى افتتاح مشروع صغير، أو رعاية نشاط احتفالي، أو الظهور في المناسبات الدينية والاجتماعية، محاطين بالحراس والمحبّين والمصفّقين، وكأن هذه المشهديات قادرة على إشباع بطن جائع، أو كسوة جسد عارٍ، أو توفير فرصة عمل لشاب أنهكته البطالة.
تتوالى اللقاءات الصباحية والمسائية، وتُعقد الندوات تحت عناوين براقة عن التنمية المستدامة، ونهضة المدينة، ودعم الشباب وتمكينهم، فيما تبقى الشعارات معلّقة في الهواء، والوعود خاوية من أي مضمون تنفيذي ملموس.
وما إن تغادر الكاميرات وتنطفئ الأضواء، حتى تعود الأمور إلى سابق عهدها، وتتبخر الفقاعات الإعلامية، وكأن شيئًا لم يكن.
ثمة عقيدة سياسية غير مكتوبة باتت تحكم أداء بعض المسؤولين، قوامها أن الأهم ليس «ماذا يقدّم المسؤول؟»، بل «كيف يظهر أمام الناس؟». فالصورة أصبحت السلعة الأكثر رواجًا، والبريق الإعلامي تحوّل إلى درع يحتمي خلفه المسؤول من المساءلة والمحاسبة.
شهادات بلا مستقبل
في المقابل، يعيش الشباب الصيداويون متاهة يومية بحثًا عن لقمة العيش، ويجد كثيرون منهم أنفسهم مضطرين للعمل في مجالات لا تمتّ إلى شهاداتهم واختصاصاتهم بصلة.
خذ مثلًا الشاب خالد، المهندس المدني الذي حاز شهادته من جامعة بيروت العربية، بعدما تابع دراسته بمنحة دراسية وتخرّج متفوقًا. هذا الشاب، الذي أمضى سنوات من عمره يحلم باليوم الذي يحمل فيه شهادته لينطلق إلى سوق العمل ويؤمّن لنفسه مستقبلًا يحفظ كرامته، يجد نفسه اليوم جالسًا خلف صندوق المحاسبة في أحد المطاعم، أمام أفق مهني مسدود.
يتقاضى خالد راتبًا لا يتجاوز نحو 400 دولار أميركي شهريًا، لقاء عمل لا يتناسب مع مؤهلاته وطموحاته. مبلغ بالكاد يكفي لتأمين أبسط متطلبات الحياة، فكيف بتكاليف النقل الباهظة، وفواتير اشتراكات المولدات التي قد تبتلع نصف دخله؟
وحين يطرق أبواب المؤسسات الرسمية والبلدية بحثًا عن حل أو فرصة أو حتى بصيص أمل، لا يجد، وفق ما يرويه، سوى الوعود الفارغة، والبيروقراطية القاتلة، والعجز الإداري الذي يبدّد ما تبقى لديه من أمل.
إن مأساة خالد ليست حالة فردية معزولة، بل تختصر واقع شريحة واسعة من الشباب الصيداوي الذي أمضى سنوات في التحصيل العلمي، ليكتشف أن شهادته لا تكفي لفتح باب واحد نحو مستقبل كريم.
طاقات مهدورة
تفتقر صيدا إلى خطط تنموية حقيقية قادرة على استيعاب طاقات شبابها، كما تفتقر إلى مراكز فاعلة تحتضن أفكارهم ومشاريعهم، وتساعد على تحويلها إلى مبادرات إنتاجية واستثمارات ناجحة. كذلك، تغيب الاستثمارات الجدية القادرة على تحريك عجلة الاقتصاد المحلي وخلق فرص عمل مستدامة.
انزل إلى شوارع المدينة ومقاهيها، واجلس مع شبابها، وستسمع ما يثير الدهشة من أفكار خلاقة، ومشاريع تنموية، ومبادرات يمكن تنفيذ بعضها بتكاليف متواضعة، لكنها قادرة على إحداث فرق حقيقي في اقتصاد صيدا، وربما أبعد من حدودها.
المشكلة ليست في غياب الكفاءات، ولا في افتقار المدينة إلى العقول والطموحات، بل في غياب البيئة التي تحتضن هذه الطاقات، والإرادة التي تحوّل الأفكار إلى فرص، والأجهزة الإدارية القادرة على الانتقال من التنظير إلى التنفيذ.
لكن المؤسف أن اهتمام بعض المسؤولين بالشباب يبدو محصورًا في مواسم الانتخابات، حين تتحول طاقاتهم إلى أدوات تعبئة وحشد، وأصواتهم إلى أرقام في صناديق الاقتراع، قبل أن يعودوا، بعد انتهاء الاستحقاق، إلى دائرة النسيان والتهميش.
وكأن المطلوب من الشاب الصيداوي أن يكون حاضرًا عندما تحتاج إليه السياسة، وغائبًا عندما يحتاج هو إلى الدولة ومؤسساتها.
أزمات بلا حلول
ولا تتوقف مأساة صيدا عند حدود البطالة والغلاء وانسداد الآفاق، بل تمتد إلى أزمات بيئية وخدماتية مزمنة تكشف هشاشة الإدارة المحلية وعجزها عن معالجة ملفات أساسية، كان آخر فصولها حريق جبل العار، جبل النفايات الذي لا يزال شاهدًا على سنوات طويلة من التخبط والإهمال.
فالمدينة التي تعاقبت على إدارة شؤونها مجالس بلدية وهيئات ومؤسسات مختلفة، لا تزال ترزح تحت وطأة ملفات عالقة، يبدو أن حلّها أبعد ما يكون عن متناول الإدارة القائمة، في ظل النهج نفسه والأدوات ذاتها.
من البنى التحتية المتداعية إلى انقطاع المياه، ومن أزمة الكهرباء التي بات الحصول عليها أشبه برفاهية باهظة الثمن، وصولًا إلى النفايات والتلوث وسوء إدارة المرافق العامة، تتراكم الأزمات فيما تغيب المعالجات الجذرية.
وحين ترتفع صرخات الأهالي مطالبة بحلول فعلية، تأتي الردود غالبًا على هيئة لجان تحقيق لا تظهر نتائجها، أو تصريحات نارية عبر وسائل الإعلام، أو مشاريع ترقيعية مؤقتة تُنفّذ على عجل، وتُلتقط أمامها الصور التذكارية، قبل أن تنكشف هشاشتها عند أول اختبار جدي.
لقد تحولت هموم الناس ومشكلاتهم الحياتية إلى مادة دسمة للاستهلاك الإعلامي والمزايدات السياسية، فيما تستمر الأوساخ بالتراكم في الأحياء الشعبية، ويبقى المواطن رهينة الحلول المؤقتة التي لا تُغني ولا تُسمن من جوع.
المشكلة في صيدا لم تعد أزمة خدمات فحسب، بل أزمة إدارة ومحاسبة ورؤية، وأزمة مسؤولين يتقنون الإعلان عن الحلول أكثر مما يتقنون تنفيذها.
الهجرة الصامتة
إن هذا الانفصال المتزايد بين قمة الهرم السياسي في صيدا وقاعدتها الشعبية المأزومة يطرح أسئلة مصيرية حول جدوى الطبقة السياسية التقليدية، ومدى قدرتها على الاستمرار في إدارة شؤون مدينة تستنزفها الأزمات.
فالشباب الذين يغادرون أفواجًا عبر مطار بيروت، أو يخاطر بعضهم بحياته عبر قوارب الموت بحثًا عن فرصة للعيش في أصقاع الأرض، لم يغادروا مدينتهم كرهًا بها، بل هربًا من واقع خنق أحلامهم، ومن شعور عميق بالإحباط تجاه قيادات لم ترَ في كثير منهم سوى أوراق انتخابية تُستخدم عند الاستحقاقات وتُهمل عند الشدائد.
لم يهاجر هؤلاء لأنهم فقدوا حبّهم لصيدا، بل لأنهم فقدوا ثقتهم بقدرة القائمين على شؤونها على تأمين الحد الأدنى من مقومات البقاء فيها.
وبات كثيرون منهم على يقين بأن المظاهر البراقة والاحتفالات الصاخبة ليست سوى قناع مخملي يخفي خلفه واقعًا إداريًا واقتصاديًا مهترئًا، لا يمكن إصلاحه بمزيد من الصور والخطابات والمهرجانات.
فأخطر ما يمكن أن يصيب مدينة ليس أن يهاجر أبناؤها فحسب، بل أن يفقد من بقي منهم الأمل بمستقبلها.
إلى متى؟
تقف صيدا اليوم عند مفترق طرق حاسم. فهي لا تحتاج إلى مزيد من الاستعراضات السياسية، ولا إلى خطابات إنشائية عن التنمية والنهضة والازدهار، بل إلى رؤية واضحة، وخطط قابلة للتنفيذ، ومشاريع إنتاجية، وفرص عمل حقيقية، وإدارة تمتلك الكفاءة والإرادة والقدرة على تحويل الوعود إلى إنجازات.
إن الشاب الصيداوي لم يعد يطلب المستحيل، بل أصبح يدرك تمامًا حجم الهوّة بين ما يستحقه وما يحصل عليه.كل ما يرجوه مدينة ترى همومه قبل أن تراه عدسات الكاميرات، ومسؤولين يدركون أن المنصب العام ليس امتيازًا للوجاهة والبريق، بل مسؤولية تجاه الناس وحقوقهم ومستقبلهم.
يريد مسؤولًا يقاس حضوره بما يتركه من أثر في حياة المواطنين، لا بعدد الصور التي يظهر فيها، ولا بحجم الوفود التي تستقبله، ولا بطول الكلمات التي يلقيها.
فصيدا التي أنجبت العلماء والمبدعين وأصحاب المبادرات، وقدّمت للبنان الكثير من طاقاتها وكفاءاتها، لا تستحق أن يتحول شبابها إلى عاطلين عن العمل، أو مهاجرين قسرًا، أو متفرجين على مدينتهم وهي تتراجع أمام أعينهم.
صيدا لا ينقصها الحب، ولا الشعارات، ولا المتحدثون باسمها. ما ينقصها هو من يترجم هذا الحب إلى عمل، وهذه الشعارات إلى إنجاز، وتلك الوعود إلى واقع يلمسه الناس في حياتهم اليومية.
