تحميل

إبحث

في الصميم

النفوذ التركي والفخّ الإسرائيلي… تناقضات القوة في سوريا

Geopolitical Snare_ Turkey’s Syrian Influence

تكشف التقديرات الإسرائيلية بشأن الوجود التركي في سوريا عن مأزق استراتيجي يتجاوز حدود التنافس بين تل أبيب وأنقرة؛ فإسرائيل التي تسعى إلى فرض معادلات أمنية بالقوة تجد نفسها أمام احتمال أن تؤدي سياستها إلى نتائج معاكسة لأهدافها، عبر تعزيز النفوذ التركي، وتقييد حرية عملياتها العسكرية، وزيادة الضغوط الدولية لإنهاء وجودها في المنطقة العازلة السورية.

إن دلالة هذا النقاش داخل معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي لا تكمن في الدعوة إلى تغيير جوهر السياسة الإسرائيلية، بل في التشكيك بفاعلية أدواتها. فحين تصبح الضربات العسكرية وسيلة دائمة لإدارة التوازنات الإقليمية، تتحول القوة من أداة للردع إلى عامل لإنتاج التوتر، وتصبح كلفة الهيمنة أعلى من المكاسب التي يُفترض أن تحققها.

أبو الظهور.. حدود القوة

أعادت الضربة الإسرائيلية التي استهدفت مطار أبو الظهور العسكري في آب/أغسطس 2026 طرح سؤال جوهري حول طبيعة التهديد التركي في سوريا، ومدى استحقاقه مواجهة عسكرية مباشرة. فالتقديرات الإسرائيلية نفسها تدعو إلى التمييز بين إعادة تأهيل المنشآت السورية والتدريب العسكري، وبين إقامة بنية تركية مستقلة للقيادة والسيطرة.

ويعكس هذا التمييز إدراكاً بأن التعامل مع كل حضور تركي باعتباره تهديداً استراتيجياً قد يجرّ إسرائيل إلى مواجهة غير محسوبة مع قوة إقليمية عضو في حلف شمال الأطلسي، تمتلك علاقات واسعة مع واشنطن وأوروبا، ولا يمكن إخراجها من المعادلة السورية بالقصف وحده.

لكن الأخطر أن إسرائيل بمحاولتها الحفاظ على حرية عملياتها العسكرية المطلقة، قد تستدعي ترتيبات أمنية وآليات لمنع الاحتكاك تفرض قيوداً فعلية على هذه الحرية، فتقع في التناقض بين الوسيلة والغاية.

إسرائيل تريد سوريا ضعيفة بما يكفي لإخضاعها، وقوية بما يكفي للاستغناء عن تركيا... وتلك معادلة مستحيلة

الخطوط الحمراء.. هندسة للهيمنة

يقترح التقدير الإسرائيلي قبول أشكال من الوجود التركي في شمال سوريا، مقابل التشدد تجاه إنشاء قواعد تركية في الوسط والجنوب، حيث تقترب من الجبهة الإسرائيلية. وهذا التمييز يكشف أن المسألة لا تتعلق بالأمن وحده، بل بمحاولة رسم خريطة النفوذ الإقليمي بما يحافظ على التفوق الإسرائيلي ويحدّ من قدرة الآخرين على تغيير ميزان القوة.

ويعيد ذلك إلى الواجهة منطقاً مألوفاً في لبنان وفلسطين: تحويل الاعتبارات الأمنية إلى مبرر دائم للسيطرة على الأرض وتقييد إرادة الشعوب. فالمنطقة العازلة لا تصبح حقاً مشروعاً لمجرد تسميتها إجراءً أمنياً، كما أن الاحتلال لا يكتسب شرعية بفعل استمراره.

لا يعني رفض الهيمنة الإسرائيلية منح تركيا تفويضاً مفتوحاً للتدخل، ولا إعفاء أي قوة إقليمية من المساءلة؛ فالمعيار الوطني هو استقلال القرار السوري واحترام حقوق شعوبه، لا استبدال وصاية بأخرى.

illustration_syria
كلما ضيّقت إسرائيل الخيارات أمام دمشق، اتّسعت حاجة سوريا إلى أنقرة

حين تصبح الهيمنة عبئاً

يحذر النقاش الإسرائيلي من أن استمرار العمليات العسكرية والتمسك بالمنطقة العازلة قد يدفعان الولايات المتحدة والقوى الدولية إلى زيادة الضغط باتجاه العودة إلى خطوط اتفاق فصل القوات لعام 1974، وربما من دون تنازلات سورية مهمة لإسرائيل.

وهنا تتجلى المفارقة الاستراتيجية: قد تؤدي محاولة فرض الأمن بالقوة إلى خسارة أوراق الضغط، فيما يساهم التضييق على دمشق في دفعها نحو مزيد من الاعتماد على أنقرة.

بالنسبة إلى لبنان وفلسطين وسوريا، تكمن العبرة في أن الصراع لا يُحسم فقط بميزان السلاح، بل أيضاً بشرعية السياسات والقدرة على بناء استقلال وطني حقيقي. فالقوة التي لا تعرف حدودها قد تحقق مكاسب تكتيكية، لكنها تفتح على خصومها أبواباً جديدة للمقاومة والمناورة.

المشكلة ليست في الخطوط الحمراء الإسرائيلية، بل في افتراض تل أبيب أن سيادة الآخرين تبدأ حيث تسمح مصالحها وتنتهي حيث تشاء.
al-Post
العلامات

يعجبك ايضاً

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا