لبنان ومآلات الحرب…مَن يربح النفوذ ومَن يرث الخراب؟
ليست الحروب مواجهات عسكرية فحسب، بل صراع على النفوذ وشروط المرحلة التالية. لذلك لا يكفي مراقبة الميدان، بل يجب فهم أهداف المعسكرات، وحدود قوتها، وكلفة استمرارها، وقدرتها على تحويل التفوق العسكري إلى مكاسب سياسية مستدامة.
كثير من الحروب تنتهي بتسويات حين تصبح الأهداف القصوى أكثر كلفة من تعديلها. فقد يحقق طرف تفوقًا عسكريًا من دون أن ينجح في فرض نظام سياسي مستقر، بينما يحافظ طرف آخر على قدرته على الاستمرار من دون امتلاك شروط الحسم.
لذلك، لا يُقاس مآل الحرب بحجم الدمار فقط، بل بقدرة الأطراف على تحويل القوة إلى مكاسب سياسية قابلة للاستمرار. وقد تنتهي المواجهة بإعادة توزيع النفوذ أو بترتيبات أمنية لا تمنح أي طرف كل ما يريد، لكنها تفتح مخرجًا من الاستنزاف.
خارج الميدان
لا تتحرك المعسكرات الإقليمية دائمًا ككتل متماسكة، فلكل دولة حساباتها، ولكل حليف حدوده وأولوياته. وقد تتقاطع المصالح أثناء الحرب ثم تتباعد عند البحث عن التسوية. لذلك، فإن التحالفات ليست ثابتة، بل تتأثر بالمصالح والأكلاف والفرص.
كما أن سقوف الحرب المرتفعة قد تنتهي بتفاهمات أقل منها، حين يصبح الحفاظ على المكاسب المتحققة أكثر عقلانية من مواصلة القتال. ومع ذلك، لا يمكن الجزم مسبقًا بنتيجة الحرب، لأن الأحداث قد تقلب الحسابات بين التصعيد والتسوية.
تؤكد التطورات اللبنانية أهمية هذا التمييز، فالمسار التفاوضي لم يتوقف رغم تباطؤه، كما أن مستقبل الوجود الدولي في جنوب لبنان لا يزال قيد البحث مع اقتراب انتهاء ولاية اليونيفيل. وهذا يعني أن مستقبل الجبهة اللبنانية سيتحدد بالترتيبات السياسية والأمنية بعد الحرب، لا بالميدان وحده.
بين جغرافيا الحرب وإرادة الدولة
المأزق اللبناني أن البلاد قد تتحمل نتائج قرارات لا تملك التأثير في أسبابها أو توقيت انتهائها. وعندما تتداخل الجبهة اللبنانية مع صراع إقليمي، قد تُحسم الحرب بتفاهمات خارجية، فيما يدفع لبنان الثمن من اقتصاده واستقراره ومؤسساته.
لذلك، لا ينبغي التعامل مع الحرب كاختبار لكرامة فريق، بل كاختبار لقدرة الدولة على حماية المجتمع والسيادة. فالكرامة الوطنية لا تُقاس بحجم الخسائر، بل بقدرة الدولة على تقليلها، وحماية المدنيين، واستعادة الأرض، وتأمين العودة وإعادة الإعمار.
ولا يعني ذلك إنكار حق لبنان في الدفاع عن أرضه أو التقليل من الاعتداءات الإسرائيلية، بل وضع حماية الإنسان والأرض ضمن استراتيجية وطنية تجمع بين الدبلوماسية والقدرة الدفاعية والشرعية الدولية. فالدولة ليست نقيض القوة، بل الإطار الذي يوجهها ويحمي المجتمع من كلفتها.
كيف نُجنّب لبنان الأسوأ؟
لا يبدأ تجنب الأسوأ بالتنبؤ بنتيجة الحرب، بل بالاستعداد لعدة احتمالات ومنع السيناريوهات الأكثر كلفة. ويتطلب ذلك خمسة مسارات:
1. تثبيت مرجعية الدولة في الحرب والسلم
ينبغي تعزيز قدرة المؤسسات الدستورية على تحديد الموقف الوطني وإدارة المفاوضات، بحيث تصبح حماية لبنان مسؤولية منظمة لا نتيجة لتوازنات مؤقتة. ويجب بناء ذلك عبر تفاهم وطني يربط الحقوق بالمسؤوليات، لا عبر الإقصاء أو الاستفزاز.
2. تحويل الدبلوماسية إلى استراتيجية
يجب أن تركز الدبلوماسية على وقف الأعمال العدائية، حماية المدنيين، إنهاء الاحتلال، عودة النازحين، إعادة الإعمار، ومراقبة الالتزامات. كما أن الحفاظ على دور الأمم المتحدة وبحث ترتيبات دولية فاعلة بعد انتهاء ولاية اليونيفيل ضروريان لمنع الفراغ الأمني والتصعيد.
3. منع انتقال الحرب إلى الداخل
حماية السلم الأهلي شرط أساسي. فتخوين الجماعات وتعميم المسؤولية وتحويل الخلاف السياسي إلى خصومة وجودية يضعف لبنان. المطلوب الفصل بين نقد القرارات ومخاصمة الناس، وضمان ألّا يدفع المواطن ثمن موقف لم يقرره.
4. ربط التسوية بمصالح لبنان
لا يكفي وقف النار مؤقتًا؛ بل يجب أن تشمل أي تسوية أمن الحدود، وعودة السكان، وإعادة الإعمار، واحترام السيادة، وآليات واضحة للتنفيذ. فالهدنة التي تؤجل الانفجار قد تكون استراحة بين جولتين، بينما تعالج التسوية المستدامة مصادر الخطر.
5. استعادة الاقتصاد والإنسان
لا تنجح التسوية إذا بقي المواطن عاجزًا عن العودة أو العمل أو تعليم أبنائه. لذلك، يجب وضع خطة شفافة لحصر الأضرار وتوجيه المساعدات وحماية الأموال من الهدر، مع تعبئة الدعم العربي والدولي ضمن برنامج إصلاحي قابل للتنفيذ. فحضور الدولة إلى جانب المتضررين يعيد الثقة، بينما يؤدي تركهم إلى مزيد من الانقسام واليأس.
ما الذي سيبقى؟
قد تنتهي الحرب بتراجع نفوذ معسكر أو تعديل أهداف آخر، لكن المعيار اللبناني يجب ألّا يكون الاحتفال بهزيمة الآخرين، بل حماية لبنان من أن يكون الخاسر الدائم.
السؤال ليس فقط من سيفرض شروطه، بل ما الذي سيبقى من المجتمعات بعد توقف القتال، وكيف ستُعاد الإعمار، وأي نظام إقليمي سيمنع تكرار الحرب. لذلك، يجب التحرر من وهم أن استمرار القتال يضمن الأهداف، أو أن التخلي عن عناصر القوة يضمن السلام. السياسة الحقيقية تقع بينهما، حيث تُحدد الغايات وتُوزن الأكلاف.
لا يستطيع لبنان تغيير موقعه الجغرافي أو التحكم وحده بالصراع الإقليمي، لكنه يستطيع إدارة خلافاته، وحماية مجتمعه، وتعزيز مرجعية الدولة، وتحويل حضوره الدبلوماسي إلى ضمانات.
تجنب الأسوأ لا يعني الاستسلام أو الانسحاب من المسؤولية، بل جعل مصلحة اللبنانيين معيارًا للقرارات، وتقديم حماية الإنسان والسيادة والاستقرار على الاستعراض والرهانات المفتوحة.
