حرب إيران وأميركا…مَن يقرّر مصير العرب؟
حين تصبح المطارات المدنية جزءاً من معادلة الردع، وتتداخل المواجهة الأميركية الإيرانية مع أمن الخليج ومستقبل لبنان ومصير القضية الفلسطينية، لا تعود الحرب صراعاً على موازين القوة وحدها، بل اختباراً لمن يملك حق تقرير مصير المنطقة. فبين طهران وواشنطن، لا تُقاس الخسائر بما تدمره الصواريخ فحسب، بل بما تفرضه من خوف واضطراب، وبقدرتها على نقل كلفة المواجهة إلى دول وشعوب لم تقرر بالضرورة خوضها.
والأخطر أن لبنان وفلسطين ليسا مجرد هامش في هذه المواجهة؛ فالأول يواجه معضلة حماية سيادته ومنع تحويله إلى ساحة لتصفية الحسابات، فيما تكافح الثانية كي لا تُختزل حقوق شعبها في حسابات المحاور الإقليمية. وبين أمن الدول وحق الشعوب في تقرير مصيرها، تتكشف أزمة المنطقة: صراع على النفوذ تتجاوز أثمانه حدود الأطراف التي أشعلته.
الحاجز النفسي
تكمن إحدى أعقد مشكلات المواجهة بين واشنطن وطهران في انعدام الثقة، حيث يتحول كل تنازل إلى مصدر للريبة، وكل مبادرة سياسية إلى اختبار للنوايا. وفي هذه البيئة، لا يكفي التفوق العسكري لفرض تسوية، ولا يصبح الصمود وحده دليلاً على الانتصار.
حين يخشى كل طرف أن يستغل الآخر أي تراجع لفرض شروط أشد، تتحول الحرب إلى دائرة مغلقة، ويصبح استمرارها مرتبطاً بكلفة الاعتراف بالعجز عن تحقيق الأهداف. والأخطر أن تداعياتها تمتد إلى دول لم تختر أن تكون طرفاً مباشراً، فتتحمل مجتمعاتها مخاطر التصعيد فيما تبقى القرارات رهينة حسابات القوى المتصارعة.
فالمطار ليس مجرد مدرج للطائرات، بل شريان اقتصادي ورمز لانفتاح الدولة على العالم. وأي استهداف له، متى ثبتت مسؤولية الجهات المنفذة، يتجاوز الأضرار المادية إلى إرباك التجارة والاستثمار وزعزعة الشعور بالأمان، محوّلاً البنية التحتية والمدنيين إلى أدوات ضغط في حرب تتجاوز الجبهات العسكرية.
الخليج ولبنان
تواجه دول الخليج معادلة دقيقة: حماية منشآتها الحيوية من دون الانجرار إلى حرب أوسع. ويتطلب ذلك تطوير قدرات الإنذار المبكر والتنسيق الدفاعي، ورفض استخدام المنشآت المدنية أدوات للضغط، مع التمييز بين الوقائع المثبتة والتقديرات السياسية.
أما لبنان، فتتجاوز معضلته الاعتداءات الإسرائيلية وحق الدفاع عن الأرض إلى سؤال جوهري: من يملك قرار الحرب والسلم؟ لا يمكن تجاهل الاحتلال والانتهاكات، لكن لا يمكن أيضاً أن تبقى البلاد ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، يدفع مواطنوها أثمان قرارات لا يشاركون في تحديدها.
المطلوب ليس وضع السيادة في مواجهة المقاومة، بل بناء استراتيجية وطنية تحمي الأرض والشعب، وتعزز دور المؤسسات، وتمنع ارتهان الاستقرار اللبناني لتوازنات المحاور. فالردع الذي لا يستند إلى قرار وطني واضح قد يتحول من وسيلة للحماية إلى مدخل لمواجهات مفتوحة، فيما يحتاج لبنان إلى حماية سيادته وإعادة بناء قدرته على اتخاذ قراره بعيداً عن الإملاءات الخارجية.
الورقة الفلسطينية
لا يجوز اختزال القضية الفلسطينية في موقعها ضمن الاستراتيجية الإيرانية أو استخدامها أداة في صراعات النفوذ. فحق الفلسطينيين في تقرير المصير وإنهاء الاحتلال وإقامة دولتهم المستقلة قضية وطنية لا تتبدل بتغير التحالفات وموازين القوة.
وفي المقابل، لا ينبغي أن يتحول الحرص على استقرار لبنان إلى ذريعة لتهميش فلسطين، كما لا يجوز أن يصبح التضامن معها مبرراً لتجاهل المخاطر التي يتحملها اللبنانيون. فالتحدي يكمن في دعم الحقوق الفلسطينية سياسياً ودبلوماسياً، ومواجهة الاحتلال والانتهاكات، من دون ترك المجتمعات المحيطة رهينة حروب مفتوحة.
إن التضامن الفاعل لا يُقاس بحجم الشعارات، بل بقدرته على حماية الشعوب وتقريبها من أهدافها الوطنية، بعيداً عن توظيف مآسيها في حسابات إقليمية أوسع. كما أن أي سلام يتجاوز الاحتلال وحقوق الفلسطينيين لن ينتج استقراراً مستداماً، بل هدنة قابلة للانفجار عند أول اختبار.
تسوية تحمي السيادة والحقوق
لا يكفي إعلان وقف إطلاق النار إذا بقيت أسباب الحرب قائمة، وظلت المنشآت المدنية عرضة للتهديد، واستمرت التفاهمات باعتبارها استراحات مؤقتة. المطلوب ترتيبات قابلة للتحقق، وضمانات تحمي الدول المجاورة، وآليات تمنع استهداف المدنيين والبنية التحتية، ومشاركة فعلية للدول المتضررة في صياغة أي نظام أمني إقليمي.
وأي تسوية تتجاهل الاحتلال وحقوق الفلسطينيين ستبقى ناقصة، كما أن أي ترتيب يتجاوز سيادة لبنان سيظل عرضة للاهتزاز. فالمصلحة اللبنانية والفلسطينية تلتقي عند رفض تحويل الشعوب إلى أثمان في صراعات المحاور، وعند بناء موقف عربي يوازن بين حماية الدول والدفاع عن الحقوق الوطنية.
من يربح حين يخسر الجميع؟
تكشف الحرب حدود الاعتقاد بأن إخضاع الخصم ممكن عبر رفع كلفة المواجهة بلا نهاية. فقد ينجح كل طرف في إيلام الآخر من دون تحقيق أهدافه، بينما تتراكم الخسائر على المجتمعات والاقتصادات.
المعيار الحقيقي للانتصار ليس عدد الأهداف المدمرة، بل القدرة على إنتاج أمن مستدام يحمي السيادة ويصون حقوق الشعوب. فالمنطقة لا تحتاج إلى انتصار جديد يُعلن أمام الكاميرات، بل إلى نظام سياسي وأمني يمنع تحويل لبنان وفلسطين ودول الخليج إلى ساحات لحروب الآخرين.
فالقوة التي لا تفتح طريقاً إلى التسوية قد تتحول إلى عبء على صاحبها، والقضية التي تُستعمل ورقة في صراع النفوذ قد تبتعد عن أهدافها، والشعوب التي تدفع ثمن قرارات الآخرين لن تجد في استمرار الحرب ضمانة لمستقبلها.
