تحميل

إبحث

ماذا لو

اللحظة اللبنانية الراهنة…

Resilient City Beneath the Cedar
عندما تسقط أوهام الهيمنة، وتتوارى مشاريع الغلبة التي فرضتها موازين القوة الطارئة، لا يستفيق اللبنانيون على فراغ سياسي فحسب، بل يستفيقون على أسئلتهم التأسيسية القديمة التي تُركت من دون إجابات.
ماذا لو؟

إن تحوّل المشهد الإقليمي اليوم، وطيّ صفحة السلاح والاستقواء بالعوامل العابرة للوطنية، يعيدان الكيان إلى مربعه الأول، وهو مربع البحث عن المعنى والتاريخ والذات.

صراع الأساطير التاريخية

ليس تاريخ لبنان مجرد شريط مسجّل من الصراعات الطائفية والتسويات الجانبية، بل هو، في جوهره، صراع متواصل بين أساطير تاريخية صنعتها كل جماعة لترميم قلقها الوجودي.

لقد بُنيت سرديات الكيان، منذ قيام المتصرفية وحتى إعلان لبنان الكبير وتأسيس الجمهورية، على تخيّل طائفي متبادل. اخترعت المارونية السياسية تاريخًا متخيّلًا، فيه الجبل واحة معزولة ورمز لحرية سيادية فريدة عابرة للعصور، مما جرّد الكيان من امتداده الجغرافي والثقافي في محيطه.

في المقابل، أردف الوعي الإسلامي، بشقّيه السنّي والشيعي، هذا التخيّل بتوجّس حذر، فرأى في الكيان اقتطاعًا قسريًا من مدى عربي وإسلامي أرحب، وظل يتطلّع إلى سائر العواصم الإقليمية لتأكيد شرعيته أو لنيل غلبة تعوّض شعوره الأولي بالتهميش.

وهم القوة والغلبة

هذا الصدام بين الأساطير التاريخية يفسّر لماذا يتكرر المشهد اللبناني كحلقة فريدة من الصعود والسقوط. فحين تمتلك جماعة أدوات القوة، سواء أكانت نفوذًا اقتصاديًا وإداريًا كما في الحقبة المارونية، أم سلاحًا أيديولوجيًا وإقليميًا كما في الحقبة الشيعية الولائية مؤخرًا، تفشل دائمًا في تجيير هذه القوة لصالح مشروع دولة جامعة.

والسبب بسيط، ويكمن في طبيعة التكوين التاريخي للبنان؛ فهو كيان تشكّل أساسًا من التوازن والتسوية بين مكوّنات جبلية وساحلية متعددة، ولا يحتمل نسيجه الاجتماعي مفهوم المنتصر والمهزوم.

إن كل محاولة للاستبداد بإدارة هذا البيت أو اختزاله في لون واحد كانت تنتهي بتفجيره من الداخل، ليتبيّن في كل مرة أن القوة الطارئة ليست سوى وهم محكوم بزوال الظرف السياسي الإقليمي الذي أنتجها.

التاريخ خارج الأيديولوجيا

يتجلّى هنا جوهر الرؤية التاريخية المستنيرة التي وضع لبناتها مؤرخون كبار، ككمال الصليبي، حين نظروا إلى التاريخ اللبناني بعين التفكيك العلمي، لا بعين التجيير الأيديولوجي.

إن أصل الأزمة اللبنانية لم يكن يومًا في التنوّع الثقافي أو الديني بحدّ ذاته، بل في طريقة كتابة التاريخ وقراءته، إذ اعتادت كل طائفة أن تُسقط أوهامها الحاضرة على الماضي، فتستحضر من التاريخ فقط ما يخدم رغبتها في التفوّق أو يبرّر خوفها من الآخر.

غير أن القراءة العميقة للعهدين المملوكي والعثماني، وثنايا الجبل اللبناني، تكشف أن هذه المنازل المتعددة عاشت متجاورة ومتداخلة، وأن العيش المشترك لم يكن مجرد شعار خطابي، بل كان صيغة شاقّة ومستمرة من التكيّف الاجتماعي والاقتصادي، فرضتها الجغرافيا وجوار الأنهار والتخوم.

استحقاق المراجعة التاريخية

مع تبدّد أوهام الغلبة الشيعية واستعادة الدولة لمركزيّتها المفقودة، يقف الشارع اللبناني اليوم أمام استحقاق تاريخي نادرًا ما تكرّر بهذا النقاء، وهو استحقاق الانتقال من التحالفات الطائفية المؤقتة إلى مراجعة تاريخية شجاعة.

إن النقاش المثار اليوم بين الداعين إلى الفيدرالية والمنادين باللامركزية الإدارية الموسّعة ليس مجرد جدل تقني حول توزيع السلطة، بل هو تعبير جليّ عن الرغبة في الاعتراف بالخصوصيات التاريخية لكل مكوّن داخل الإطار الوطني الجامع.

فالبيت اللبناني، بطبيعته التي تشكّلت عبر القرون، يتّسع لمنازل متعددة تتكامل في ظل سقف مواطني واحد، شريطة ألّا يسعى ساكن أحد هذه المنازل إلى فرضه سقفًا أحاديًا للبيت كله.

هوية تتجاوز الثنائيات

تتطلب العودة إلى التاريخ تحريرًا للهوية من الثنائيات القاتلة؛ فالمسيحي ليس بحاجة إلى إنكار عروبته الثقافية لكي يثبت لبنانيته، والمسلم ليس بحاجة إلى استيراد محاور إقليمية لكي يتنفّس عروبته.

 

lebanon_shared_future_landscape_2

إن العروبة المتفتّحة والحضارية هي الإطار الطبيعي الذي يضمن لجميع مكوّنات هذا الشرق حريتها وخصوصيتها، ولبنان هو النموذج الأبرز لهذه التجربة حين يُدار بروح المسؤولية والنقد الذاتي.

إن الحوار الراهن حول لبنان ما بعد الأزمات لا ينبغي أن يتّجه نحو معاقبة طائفة أو إقصاء مكوّن، بل نحو إسقاط أسطورة السلاح وسلطوية الفئة، والبدء بقراءة متجرّدة للتاريخ تعيد بناء العقد الاجتماعي على قاعدة الحقيقة والعدالة والتكامل، ليكون هذا الكيان حقًا ما أراده التاريخ له: بيتًا متعدد المنازل، تتساند جدرانه بالاعتراف المتبادل، وتُصان حريته بوحدة مصير أبنائه.

 

العلامات

يعجبك ايضاً

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا