تحميل

إبحث

في الصميم

سلاح حزب الله… قوة الفكرة وفكرة القوة

From Ruins to Peaceful Statehood
أفضل دليل على ضعف الفكرة أن تحتاج إلى سيف يحميها

ليست قوة الأفكار في مقدار ما تحشده من سلاح، بل في قدرتها على إقناع الناس، وحماية مصالحهم، وصناعة مستقبلهم. فالسلاح قد يفرض معادلة، لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع استقرارًا، ولا أن يحوّل الخوف إلى طمأنينة، ولا أن يمنح الوطن ضمانة دائمة ضد الحروب.

من هذا المنطلق، لا يعود النقاش حول سلاح حزب الله مجرّد خلاف لبناني على وسيلة الدفاع، بل يصبح سؤالًا استراتيجيًا عن جدوى الخيارات التي اعتمدها لبنان، وعن قدرتها على تحقيق الغاية التي رُفعت من أجلها: حماية الأرض والناس وصون السيادة.

لقد أظهرت التجارب المتراكمة أن امتلاك السلاح خارج إطار الدولة لم يمنح لبنان حصانة من الحرب، ولم يمنع الدمار والتهجير، ولم يُنهِ التهديدات الإسرائيلية. وهذه خلاصة سياسية تستحق مراجعة هادئة ومسؤولة، لا بقصد محاكمة النيات أو الانتقاص من التضحيات، بل للتمييز بين شرف الغاية وفاعلية الوسيلة. فليس كل ما بدأ بوصفه ضرورة تاريخية يبقى بالضرورة الخيار الأجدى في كل مرحلة، وليس الوفاء لتضحيات الماضي أن نُبقي الحاضر أسير أدوات لم تعد تحقّق النتائج المرجوّة.

الدولة أولًا

إن الاعتراف بحدود السلاح ليس تخلّيًا عن حق لبنان في الدفاع عن نفسه، بل هو بحث جادّ عن وسيلة أكثر ضمانًا لحماية هذا الحق.

وهنا تبرز الدولة، لا باعتبارها منافسًا لأي مكوّن لبناني، بل باعتبارها الإطار الوحيد القادر على جمع اللبنانيين تحت مظلّة أمنية واحدة، وتوحيد قرار الحرب والسلم، ومنع تحوّل البلاد إلى ساحة تتقاطع فيها حسابات الآخرين على حساب مصالح أبنائها. فالدولة القوية لا تُقاس فقط بما تمتلكه من قوة عسكرية، بل أيضًا بقدرتها على حماية مواطنيها، وتحصين حدودها، وإدارة علاقاتها الدولية، ومنع المغامرات التي يدفع المجتمع بأسره أثمانها.

من هنا، فإن حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، وتسليمه إلى مؤسساتها الشرعية ضمن مسار وطني منظّم، ليس انتصارًا لفريق على آخر، ولا ينبغي أن يكون مناسبة للإذلال أو الإقصاء. إنه انتقال مطلوب من تعدّد مراكز القوة إلى وحدة القرار السيادي، ومن الأمن القائم على توازنات قابلة للاهتزاز إلى أمن يستند إلى مؤسسات وطنية مسؤولة وخاضعة للمحاسبة. وهو انتقال يجب أن يحفظ كرامة اللبنانيين جميعًا، وأن يرافقه تعزيز قدرات الجيش، وتوفير الدعم العربي والدولي له، وضمان أن تكون حماية المواطنين متساوية في كل منطقة وبيئة.

حصر السلاح بيد الدولة ليس انتصار فريق على آخر، بل انتقال من تعدد مراكز القوة إلى وحدة القرار السيادي

ضمانات السيادة

لكن استعادة الدولة لقرارها لا تكتمل بالشعار وحده، كما أن تسليم السلاح لا ينبغي أن يتحوّل إلى خطوة منفصلة عن معالجة المخاطر التي دفعت إلى التمسّك به. فالمسؤولية الوطنية تقتضي أن يكون هذا المسار جزءًا من تسوية أمنية وسياسية أشمل، تُلزم إسرائيل باحترام السيادة اللبنانية، والانسحاب من الأراضي التي تحتلّها، ووقف الاعتداءات، وتفتح الباب أمام ترتيبات واضحة تضمن الحدود وحقوق لبنان وفق المرجعيات الدولية.

قوة الدبلوماسية

وهنا تحديدًا تتقدّم الدبلوماسية من موقع البديل الممكن إلى موقع الأداة الاستراتيجية الضرورية.

فالدبلوماسية ليست علامة ضعف، ولا تعني الاستسلام لإرادة الخصم، بل هي فنّ تحويل موازين القوة إلى مكاسب سياسية قابلة للاستمرار. إنها القدرة على انتزاع الضمانات، وتثبيت الحقوق، وتعبئة المجتمع الدولي، وتضييق هامش الاعتداء، من دون إبقاء البلاد في حالة استنفار دائم. وإذا كان السلاح قادرًا على فرض كلفة في لحظة معيّنة، فإن الاتفاق السياسي المحصّن بالضمانات والرقابة والالتزامات المتبادلة يستطيع أن يغيّر قواعد الاشتباك، ويحدّ من أسباب تجدّد الحرب.

وليس المطلوب أن يثق لبنان بالنوايا، بل أن يبني على المصالح والالتزامات والآليات القابلة للتحقّق. فالدبلوماسية الناجحة لا تستبدل الوهم العسكري بوهم سياسي، بل تجمع بين قوة الدولة، ووحدة موقفها، وفاعلية جيشها، وحُسن إدارة علاقاتها العربية والدولية، لتجعل الاعتداء على لبنان أكثر كلفة، والسلام معه أكثر مصلحة.

 

lebanon_state_diplomacy_landscape
حين يتعدد أصحاب قرار الحرب، يتوحد اللبنانيون في دفع أثمانها

وحدة القرار

إن أخطر ما يمكن أن يقع فيه اللبنانيون هو أن يتحوّل الخلاف على وسيلة الحماية إلى انقسام حول الوطن نفسه. ولذلك ينبغي أن يُدار ملف السلاح بمنطق الانتقال المسؤول، لا بمنطق كسر الإرادات؛ وبمنطق بناء الثقة، لا بتوسيع الخصومة. فالمطلوب ليس نزع كرامة أحد، بل وضع كرامة الجميع تحت حماية دولة واحدة، لا تميّز بين مواطنيها، ولا تسمح بأن يكون قرار الحرب والسلم خارج مؤسساتها.

لقد آن الأوان للانتقال من سؤال: من يملك القدرة على إطلاق النار؟ إلى سؤال أكثر أهمية: من يملك القدرة على منع الحرب، وحماية اللبنانيين، وإعادة إعمار ما تهدّم، وضمان ألّا يتكرّر المشهد نفسه بعد سنوات؟

ذلك هو الامتحان الحقيقي للسياسة، وتلك هي مسؤولية الدولة.

من السلاح إلى السلام

فالأوطان لا تحتاج إلى سيوف تتكاثر بقدر ما تحتاج إلى دولة تتماسك، ولا تحتاج إلى انتصارات تُقاس بقدرة الأطراف على الصمود وحدها، بقدر ما تحتاج إلى سلام يحفظ الأرض والإنسان والمستقبل. وحين تصبح الدبلوماسية قادرة على تثبيت الحقوق، ويصبح الجيش قادرًا على حماية السيادة، وتصبح الدولة مرجع القرار الوطني، لا يعود التخلّي عن السلاح خارجها تراجعًا عن فكرة الدفاع، بل انتقالًا بها من اجتهاد فئوي إلى مسؤولية وطنية جامعة.

فالفكرة التي تستمدّ قوتها من الدولة لا تحتاج إلى سيف يحرسها من أبناء وطنها؛ تحتاج إلى دولة تحمي الجميع، ودبلوماسية تمنع الحرب، وسيادة تجعل قرار لبنان ملكًا للبنان.
al-Post
العلامات

يعجبك ايضاً

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا