تحميل

إبحث

وجوه وحكايات

من مخيمات لبنان إلى قاع البحر… الموت طوق نجاة

Abandoned Belongings, Distant Horizon

في قصيدة «أحمد العربي» لمحمود درويش، تتجسّد حكاية الفلسطيني الذي يطارده المنفى حتى يصبح الطريق إلى الحياة محاطًا بالموت. واليوم، بعد عقود من النكبة، لا يزال الفلسطيني يهرب من وطنٍ مسلوب، ليجد نفسه محاصرًا في مخيمات لا تمنحه حقّه في الحياة، ثم يركب البحر بحثًا عن أرض لا تطارده فيها الحاجة والإذلال.

في 19 تشرين الأول الجاري، عاد البحر ليكتب فصلًا جديدًا من هذه المأساة. غرق قارب قبالة السواحل اليونانية، وسط تقارير عن فقدان الاتصال بفلسطينيين من مخيمات لبنان، بينهم أربعة من أبناء مخيم نهر البارد وخمسة آخرون من مخيمات فلسطينية مختلفة. وبينما تتضارب المعلومات بشأن صلة المفقودين بالقوارب التي شهدت حوادث الغرق، تبقى العائلات معلّقة بين رجاء النجاة ورعب الفقدان. هناك أمهات ينتظرن خبرًا، وآباء يفتّشون عن أسماء أبنائهم، وأطفال لا يعرفون إن كان الغائب سيعود أم أنّ البحر قرّر أن يكون قبره الأخير.

تضييق ومتاجرة

أيُّ قهرٍ هذا الذي يجعل البحر، بأمواجه وغدره، أقلّ رعبًا من اليابسة؟ وأيُّ ظلمٍ يدفع شابًّا إلى المخاطرة بحياته في قارب متهالك، لأنّ البقاء في مخيمه بات بالنسبة إليه موتًا مؤجّلًا؟

لا يمكن تبرئة الدولة اللبنانية من مسؤوليتها عن واقعٍ تتراكم فيه القيود على فرص العمل، ويتفاقم التهميش، وتُترك عائلات فلسطينية تصارع الفقر والبطالة وانعدام الأفق. إنّ حماية الحقوق الإنسانية للاجئين لا تعني إلغاء خصوصية لبنان أو تجاهل أزماته، بل تعني رفض تحويل الإنسان إلى رهينة الحرمان، وفتح أبواب العمل والحياة أمامه بدلًا من دفعه إلى أبواب الهجرة الخطرة.

أمّا القيادات والفصائل الفلسطينية، فإلى متى ستختبئ خلف شعارات الصمود والعودة فيما يفرّ أبناؤها من المخيمات بحثًا عن الحدّ الأدنى من الكرامة؟ ما قيمة النفوذ والمواقع والتمثيل إذا كان الشباب يرحلون، والآباء يستدينون لتأمين ثمن الرحلة، والأمهات يودّعن أبناءهنّ وهنّ لا يعرفن إن كنّ سيحتضنّهم مجدّدًا؟

كفى بيانات تعزية لا تغيّر شيئًا، وكفى خطابات تحوّل معاناة الناس إلى رصيد سياسي! المطلوب محاسبة ومسؤولية وخطة إنقاذ حقيقية، لا مزيد من الوعود التي تنتهي عند أول ميكروفون.

من يبيع آخر ما يملك ليشتري مقعدًا في قارب متهالك، لا يبحث عن المغامرة، بل يهرب من اليأس

أين الأونروا؟ وأين مشروع الإنقاذ؟

الأونروا مطالبة بتعزيز خدماتها الإغاثية والتعليمية والاجتماعية، رغم أزمتها المالية، فيما تقع على عاتق المرجعيات الفلسطينية مسؤولية انتزاع الدعم والضغط لتأمين حياة كريمة للاجئين. لا يجوز أن تتحوّل الأزمة إلى ذريعة يتبادل فيها الجميع الاتهامات، بينما يدفع الفقراء ثمن العجز من أعمارهم وأرواحهم.

دعونا نضع نظريات المؤامرة جانبًا، ونسأل بوضوح: أين مشروعكم البديل؟ أين فرص العمل؟ أين الحماية الاجتماعية؟ وأين خطة تمنع شابًّا آخر من بيع ما يملك لشراء تذكرة إلى المجهول؟

المخيمات لا تحتاج إلى مَن يشرح لها أسباب الانهيار، بل إلى مَن يوقفه. وأبناؤها لا يريدون قبورًا في قاع المتوسط، ولا وطنًا بديلًا في بلاد الغربة؛ يريدون حياة كريمة، وحقًّا في العمل، ومستقبلًا لا يضطرون فيه إلى الاختيار بين البقاء في العوز أو المخاطرة بالموت.

palestinian_refugees_sea_crossing_cover
أخطر من أمواج البحر تلك السياسات التي تجعل البقاء في المخيم موتًا مؤجّلًا
يا أحمد العربي، كم أحمدَ عربيًّا سيبتلع البحر قبل أن تستيقظ الضمائر؟ وكم أمًّا ستظلّ تحدّق في الطريق، تنتظر ابنها الذي قد لا يعود؟ حين يصبح البحر أمل الفقراء الأخير، لا تكون الكارثة في غرق القوارب وحدها؛ بل في دولةٍ ومرجعياتٍ تركت أبناءها يصلون إلى اللحظة التي يبدو فيها الموت أرحم من الحياة.
al-Post
العلامات

يعجبك ايضاً

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا