تحميل

إبحث

ماذا لو

الإنترنت الميت… جمهور من أشباح

Lone Human in the AI Crowd
ماذا لو أخبرتك أن جزءاً كبيراً مما تقرؤه يومياً على الإنترنت، والتعليقات التي تستفزك، والنقاشات التي تشارك فيها، وحتى بعض الشخصيات التي تتابعها بشغف، قد لا يكون وراءه إنسان واحد؟
ماذا لو؟

تخيّل أن تدخل في جدال سياسي حاد مع حساب وهمي، أو تتأثر بقصة إنسانية لم يعشها أحد، أو تتابع مؤثراً لا وجود له خارج شاشة هاتفك!

الأمر ليس مشهداً من فيلم خيال علمي، بل احتمال تفرضه ثورة الذكاء الاصطناعي، وتختصره نظرية مثيرة للقلق تُعرف باسم «الإنترنت الميت». نظرية تدفعنا إلى إعادة النظر في كل ما نراه ونقرأه ونتفاعل معه، وتطرح سؤالاً غير مريح: هل ما زال الإنترنت فضاءً يجمع البشر، أم أصبح مسرحاً رقمياً تديره الآلات وتتصدره حسابات مصطنعة؟

من نظرية غريبة إلى واقع رقمي

ظهرت النظرية بين عامَي 2020 و2021 في منتديات إلكترونية، وتقوم على أن المحتوى الذي ينتجه البشر ويتبادلون من خلاله الأفكار والتجارب يتراجع تدريجياً لمصلحة محتوى آلي تصنعه برامج الذكاء الاصطناعي، بهدف جذب الانتباه وزيادة المشاهدات والتفاعل.

وما بدا حينها أقرب إلى الخيال أصبح أكثر واقعية مع التطور المتسارع للتقنيات القادرة على إنشاء نصوص وصور ومقاطع فيديو تبدو حقيقية. بل ظهرت حسابات تنشر محتوى متكرراً أو غير مترابط، مصحوباً بتعليقات مصممة لاستدراج المستخدمين وتحقيق الانتشار.

مؤثرون لا وجود لهم!

لم تعد الشهرة الرقمية حكراً على البشر. فقد ظهرت شخصيات افتراضية أنشأها الذكاء الاصطناعي، واستطاعت جذب جماهير واسعة وتحقيق عوائد مالية من الإعلانات والترويج التجاري.

وهكذا أصبح بالإمكان صناعة شخصية تمتلك وجهاً وصوتاً وآراءً وجمهوراً، من دون أن يكون وراءها إنسان يعيش التجارب التي تتحدث عنها.

المشكلة ليست في وجود هذه الشخصيات، بل في عدم الإفصاح أحياناً عن طبيعتها الحقيقية، ما يضع المستخدم أمام محتوى قد يعتقد أنه صادر عن تجربة إنسانية، بينما هو منتج رقمي مصمم للتأثير فيه.

عندما تتعلم الآلات من إنتاج الآلات

الخطر لا يتوقف عند الحسابات الوهمية، بل يمتد إلى مستقبل المعرفة نفسها. فالذكاء الاصطناعي يتدرّب على كميات هائلة من المعلومات المنشورة على الإنترنت. وإذا ازدادت نسبة المحتوى الآلي، فقد تجد النماذج الجديدة نفسها تتعلم من إنتاج نماذج سابقة، فتتكرر الأخطاء وتتراكم المعلومات غير الدقيقة.

إنها دائرة مغلقة: آلة تنتج، وأخرى تعيد الصياغة، وثالثة تنشر، حتى يصبح التمييز بين المعلومة الأصلية والمحتوى المصطنع أكثر صعوبة.

وهذا يثير مخاوف جدية بشأن مصداقية المعلومات التي نعتمد عليها في الصحافة والتعليم والبحث وصناعة القرار.

هل يموت الإنترنت أم نفقد الثقة به؟

لا تعني نظرية الإنترنت الميت أن البشر اختفوا من الشبكة، أو أن كل ما نراه زائف. لكنها تلفت الانتباه إلى تحوّل متسارع قد يجعل المحتوى الآلي أكثر حضوراً وتأثيراً في حياتنا الرقمية.

التحدي الحقيقي لم يعد مجرد اكتشاف الحسابات الوهمية، بل حماية الثقة بالمعلومة، وتعزيز الشفافية بشأن المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي، وتطوير قدرة المستخدم على التحقق والتمييز.

فربما لا يموت الإنترنت بانقطاع الاتصالات، بل عندما نفقد القدرة على معرفة من يخاطبنا، وما إذا كان ما نقرأه يعكس حقيقة أم مجرد محتوى صُمّم لسرقة انتباهنا.

قد تستطيع الآلات تقليد الإنسان في الكتابة والصوت والصورة، لكنها تضعنا أمام مسؤولية جديدة: ألّا نسمح لعالم رقمي مزدحم بالمحتوى أن يصبح عالماً فقيراً بالحقيقة.

dead-internet-cover
العلامات

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا