لا لولاية الفقيه… الأمة أولاً
ليست أخطر الأزمات التي تواجه الأمة أن تختلف في اجتهاداتها ومذاهبها ورؤاها السياسية، بل أن يتحوّل هذا الاختلاف إلى جدران تفصل بين أبنائها، وساحات صراع تستنزف حاضرها وتصادر مستقبلها.
لا تسقط الأمم بالاختلاف، وإنما حين تفقد القدرة على إدارته، وحين يصبح الانتماء المذهبي أعلى من الانتماء الوطني، والولاء للمشاريع الخارجية أسبق من الولاء للشعوب ومصالح أوطانها.
في خضمّ هذا المشهد المضطرب، تعيدنا تجربة العلّامة اللبناني محمد مهدي شمس الدين إلى سؤال جوهري طالما تهرّبنا من مواجهته: لمن تكون الكلمة الفصل في تقرير مصير الأمة؟ ومن يمتلك حق توجيه بوصلتها السياسية؟ وهل يجوز أن تتحوّل العقيدة والمذهب إلى أداتين للوصاية على المجتمعات، أو ذريعتين لفرض خيارات تتجاوز إرادتها الوطنية؟
الأمة صاحبة القرار
تكمن أهمية تجربة شمس الدين في أنه قدّم، من داخل المدرسة الفقهية الشيعية، رؤية سياسية تقوم على مفهوم «ولاية الأمة على نفسها»، رافضاً احتكار القرار العام من قِبل فرد أو مؤسسة دينية، ومؤكداً أن شؤون المجتمع السياسية والتدبيرية ينبغي أن تكون من اختصاص الأمة، عبر الشورى والمشاركة والمسؤولية الجماعية.
لم تكن هذه الرؤية مجرّد اختلاف فقهي مع نظرية ولاية الفقيه، بل حملت تصوّراً أوسع لعلاقة الدين بالدولة، وحدود السلطة، وموقع المواطن في صناعة مستقبله. فقد دعا شمس الدين إلى اندماج المكوّن الشيعي في الدولة اللبنانية ومؤسساتها، وإلى بناء علاقة متوازنة مع إيران، من دون أن يتحوّل الانتماء المذهبي إلى تبعية سياسية، أو أن تُفرض مرجعية تتجاوز خصوصية المجتمع اللبناني وإرادته.
هنا تكمن القيمة الأعمق في تجربته: الانتماء الديني لا يلغي الانتماء الوطني، والارتباط الروحي والثقافي لا يبرّر مصادرة القرار السياسي، كما أن احترام خصوصية أي مكوّن لا يعني عزله عن محيطه، أو تحويله إلى جزيرة منفصلة عن بقية أبناء الوطن والأمة.
لا وصاية باسم العقيدة
إن أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمعات هو أن تتحوّل الخلافات الفكرية والمذهبية إلى أدوات استقطاب سياسي، وأن تُستدعى الهويات الفرعية لتبرير صراعات لا تخدم بالضرورة مصالح أصحابها. وعندما تتقدّم حسابات المحاور على مصالح الأوطان، يصبح المواطن وقوداً لمعركة لم يختر أهدافها، وتتحوّل الحدود العربية إلى خطوط تماس بين مشاريع متنافسة، بدلاً من أن تكون فضاءً للتعاون والتكامل.
لا يعني ذلك إنكار حق الدول في بناء تحالفاتها أو الدفاع عن مصالحها، بل يعني أن العلاقات بينها يجب أن تقوم على الندّية والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، لا على فرض الوصاية أو استثمار الروابط المذهبية لتوسيع النفوذ.
كما أن نقد أي مشروع سياسي، أيّاً كان مصدره، لا ينبغي أن يتحوّل إلى عداء مع شعب أو مذهب أو طائفة. فالتعميم هو الوجه الآخر للانقسام، والخلط بين المذهب والسياسة يفتح أبواباً لا يستفيد منها سوى مَن يجد في تفكّك المجتمعات فرصة لتعزيز نفوذه.
وحدة المصير لا الشعارات
في فلسطين ولبنان وسوريا، تبدو الحاجة إلى هذه الرؤية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فالقضايا الوطنية لا تحتمل أن تتحوّل إلى ساحات لتصفية الحسابات الإقليمية، ولا أن يُختزل مصير الشعوب في رهانات القوى المتنافسة. فلسطين ليست قضية مذهب، ولبنان ليس ساحة حصرية لمحور، وسوريا ليست ملكاً لاتجاه سياسي أو طائفة. إنها قضايا شعوب تتطلّع إلى الحرية والسيادة والكرامة والاستقرار.
إن مواجهة الاحتلال والعدوان والتدخلات الخارجية تتطلّب مجتمعات متماسكة، وقراراً وطنياً مستقلاً، وتفاهمات تتجاوز الانقسامات، لا صراعات داخلية تستنزف الطاقات وتمنح الآخرين فرصة التحكّم بمصائر المنطقة.
الاختلاف حق والانقسام خسارة
لسنا بحاجة إلى أمة متشابهة في أفكارها ومعتقداتها حتى تتوحّد، بل إلى أمة تعرف كيف تختلف من دون أن تتقاتل، وكيف تتحاور من دون تخوين، وكيف تحمي تنوّعها من دون أن تسمح بتحويله إلى سلاح في أيدي الآخرين.
تبدأ استعادة روح الوحدة بتحرير الوعي من التعصّب، وتقديم المواطنة والمصلحة العامة على الولاءات الضيّقة، ورفض كل وصاية خارجية، أيّاً كانت رايتها أو شعاراتها. فليس المطلوب أن يتنازل أحد عن عقيدته، وإنما أن يتنازل الجميع عن توظيفها وسيلةً لإلغاء الآخر أو الهيمنة عليه.
لقد ترك محمد مهدي شمس الدين سؤالاً يتجاوز حدود الفقه والسياسة اللبنانية: هل الأمة صاحبة مصيرها، أم مجرّد ساحة تتنازعها المشاريع والوصايات؟
والجواب الذي تحتاج إليه أجيالنا اليوم هو أن لا مستقبل لأمة لا تملك قرارها، ولا كرامة لشعوب تُستباح إرادتها باسم حمايتها، ولا انتصار لقضية عادلة إذا كان أبناؤها منشغلين بهدم الجسور، فيما خصومهم يبنون جدران الهيمنة.
