تحميل

إبحث

في الصميم

بلاد الشام في مختبر إسرائيل… حرب الخرائط والخوارزميات

levant_sovereignty_editorial
ماذا لو لم تكن الحروب في فلسطين ولبنان وسوريا مجرد أزمات متجاورة، بل مسارات متداخلة في صراع أوسع على الأرض والسيادة وموازين القوة في بلاد الشام؟ وماذا لو لم تعد المعركة تُخاض بالصواريخ والجيوش وحدها، بل امتدت إلى مختبرات الذكاء الاصطناعي، حيث تُختبر السيناريوهات وتُحسب كلفة المواجهة وتُدرس سبل فرض وقائع سياسية يصعب التراجع عنها؟
ماذا لو؟

المحاكاة التي أجراها معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب، بمشاركة خبراء ووكلاء للذكاء الاصطناعي، لدراسة مستقبل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، تفتح نافذة على التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي. لكن أهميتها تتجاوز فلسطين، حين تُقرأ في سياق إقليمي تتقاطع فيه السيطرة على الأرض الفلسطينية، ومعادلات الردع والحرب في لبنان، والصراع على السيادة والنفوذ في سوريا.

لا يعني ذلك أن الساحات الثلاث تخضع لخطة واحدة، بل إن نتائج كل منها تؤثر في حسابات الأخريين. فالاحتلال في فلسطين يبقي الصراع مفتوحاً، والحرب في لبنان تختبر حدود القوة العسكرية الإسرائيلية، فيما يتيح ضعف الدولة السورية مجالاً أوسع للتدخلات وتثبيت مناطق النفوذ.

هنا يصبح السؤال أكثر خطورة: هل تسعى إسرائيل إلى إنهاء التهديدات التي تواجهها، أم إلى إعادة تشكيل البيئة الإقليمية بما يضمن تفوقها، حتى لو بقيت أسباب الصراع قائمة؟

دولة معلّقة أم احتلال جديد؟

تتراوح الخيارات الإسرائيلية بين إدارة الصراع، وضم الضفة الغربية، والتوصل إلى اتفاق شامل، أو إنشاء كيان فلسطيني محدود السيادة، يُعرف اختصاراً بـPELS، مع احتفاظ إسرائيل بالمسؤولية الأمنية وحرية التدخل العسكري.

يبدو هذا الخيار محاولة لوقف الانزلاق نحو واقع الدولة الواحدة، لكنه يطرح معضلة جوهرية: كيف يمكن الحديث عن سيادة فلسطينية إذا بقيت الأرض والحدود والموارد والقرار الأمني خارج السيطرة الفلسطينية الفعلية؟

قد تنجح الترتيبات المحدودة في تخفيف الاحتكاك، لكنها لن تنهي الصراع إذا تحولت إلى بديل دائم من الدولة المستقلة. فالضم يفرض وقائع جديدة، لكنه لا يلغي الحقوق الوطنية، وإدارة السكان لا تعني حل القضية.

وتنعكس هذه المعضلة على لبنان وسوريا؛ إذ إن غياب تسوية عادلة في فلسطين يبقي أحد أبرز مصادر التوتر الإقليمي قائماً، ويجعل أي استقرار أوسع عرضة للاهتزاز مع كل تصعيد جديد.

لبنان.. القوة لا تنتج تسوية

في لبنان، تتخذ المعادلة شكل مواجهة بين التفوق العسكري الإسرائيلي، وقدرات الخصوم على الرد، وهشاشة الدولة اللبنانية وتوازناتها الداخلية.

قد تغيّر الضربات العسكرية قواعد الاشتباك، وتلحق أضراراً كبيرة بالبنية التحتية والقدرات القتالية، لكنها لا تضمن وحدها تسوية مستقرة. فالقوة تستطيع فرض كلفة، لكنها لا تضمن إخضاع الإرادة السياسية، كما أن تدمير مؤسسات الدولة وإضعافها قد يوسع الفراغ الذي تتنافس القوى المختلفة على ملئه.

وترتبط الجبهة اللبنانية بالحسابات الإسرائيلية في فلسطين وسوريا، لكنها تحتفظ بخصوصيتها السياسية والعسكرية. لذلك، فإن اختزالها في معادلة ردع عسكرية يتجاهل السؤال الأهم: كيف يمكن بناء دولة لبنانية قادرة على حماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها ساحة مفتوحة للحروب الإقليمية؟

إن الهدنة قد توقف إطلاق النار، لكنها لا تصبح سلاماً ما لم تستند إلى ترتيبات قابلة للاستمرار، تعالج أسباب المواجهة وتمنع تكرارها.

سوريا.. من يملأ الفراغ يفرض شروطه

في سوريا، يتصل الصراع على السيادة مباشرة بمستقبل التوازنات الإقليمية. فتراجع مؤسسات الدولة، وتعدد مراكز النفوذ، والتدخلات الخارجية، عوامل تتيح تثبيت وقائع ميدانية قد تتحول مع الزمن إلى أدوات ضغط دائمة.

وتكتسب سوريا أهمية إضافية من موقعها الجغرافي وصلاتها بلبنان وفلسطين، ومن تأثير استقرارها في الحسابات الأمنية المحيطة بها. فالدولة العاجزة عن حماية حدودها واستعادة قرارها تصبح أكثر عرضة للتدخل، فيما تتحول مناطق الفراغ إلى ساحات تنافس بين القوى الإقليمية والدولية.

لكن هل يمكن ضمان أمن مستدام عبر إبقاء دولة مجاورة ضعيفة؟ قد تمنح السيطرة على الأرض مكاسب آنية، إلا أن استمرار الهشاشة السياسية والأمنية يفتح الباب أمام أزمات جديدة، ويجعل الاستقرار رهينة موازين قوى متغيرة.

 

الرابط بين الساحات الثلاث ليس تطابق أهدافها أو خضوعها لقيادة واحدة، بل التفاعل بين أزماتها. فالاحتلال في فلسطين يغذي التوتر، والحرب في لبنان ترفع احتمالات التصعيد الإقليمي، والفراغ في سوريا يوسع مجال التدخل والنفوذ. وكل تحول في إحدى هذه الساحات يعيد تشكيل حسابات الأطراف في الساحتين الأخريين. في هذا المشهد، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد على اختبار السيناريوهات وقياس المخاطر، لكنه لا يستطيع تحويل الافتراضات إلى حقائق، ولا التنبؤ بيقين بردود فعل الشعوب أو التحولات المفاجئة في السياسة والحرب. كما أن قياس النجاح بمعيار الأمن الإسرائيلي وحده يترك سؤالاً أساسياً بلا إجابة: ماذا عن أمن الفلسطينيين وحقهم في تقرير المصير، وسيادة لبنان، ووحدة سوريا واستقلال قرارها؟

Holographic Chessboard Over the Levant

الخوارزميات ترسم الاحتمالات

قد تحسب التكنولوجيا كلفة الحرب، وتختبر بدائل التسوية، وتحدد نقاط القوة والضعف. لكنها لا تمنح الاحتلال شرعية، ولا تجعل السيطرة بديلاً من السيادة، ولا تحول غياب الحرب إلى سلام حقيقي.

المعركة في بلاد الشام ليست على الخرائط وحدها، بل على من يملك حق رسمها، ومن يقرر مصير الشعوب التي تعيش عليها.

وهنا يتحدد التحدي أمام فلسطين ولبنان وسوريا: استعادة القرار الوطني، وبناء مؤسسات شرعية، وتجاوز الانقسامات التي توسع التدخل الخارجي، وصياغة رؤية سياسية تربط الأمن بالعدالة والسيادة بالاستقرار.

ليست المشكلة أن إسرائيل تختبر سيناريوهات لمستقبل المنطقة؛ فالدول تخطط لمصالحها، والقوى تستعد لاحتمالات الحرب والسلام. المشكلة الحقيقية أن تبقى شعوب بلاد الشام خارج معادلة تقرير مصيرها، فيما تُحدَّد خياراتها تحت ضغط الاحتلال في فلسطين، ونيران الحرب في لبنان، وتنازع النفوذ على الأرض السورية.

حين يعجز الفلسطيني عن انتزاع سيادته، ويُترك لبنان رهينة دورات التصعيد، وتظل سوريا ساحة مفتوحة للتدخلات، لا تبقى الأزمات محصورة داخل حدودها؛ بل تتغذى إحداها من الأخرى، ويتسع المجال أمام القوى الأقوى لفرض وقائع تتحول، مع مرور الوقت، إلى أمر واقع.

لكن القوة، مهما بلغت، لا تستطيع أن تضمن إلى الأبد قبول الشعوب بما يُفرض عليها. قد تُدمَّر المدن، وتتغير خطوط السيطرة، وتُعاد صياغة الترتيبات الأمنية، لكن ذلك لا يمحو الحقوق، ولا يبني شرعية، ولا يحوّل الهدوء القسري إلى سلام. فالهيمنة قد تكسب الأرض، لكنها لا تضمن المستقبل؛ والتفوق العسكري قد يفرض شروطاً، لكنه لا يصنع استقراراً ما دامت أسباب الصراع حية.

من هنا، لا يكفي أن تسأل فلسطين ولبنان وسوريا: ماذا يخطط الآخرون لنا؟ بل عليها أن تواجه السؤال الأصعب: أين مشروعنا لحماية السيادة، واستعادة القرار، ومنع تحويل ضعفنا وانقساماتنا إلى أدوات في يد الآخرين؟ فغياب المشروع المشترك لا يترك فراغاً محايداً؛ بل يفتح الطريق أمام مشاريع الآخرين.

إما أن تصبح شعوب بلاد الشام شريكاً في رسم مستقبلها، وإما أن تبقى موضوعاً على خرائط الآخرين: تُدار أزماتها، وتُختبر عليها السيناريوهات، وتُفرض عليها التسويات. وبين الخيارين، لا تحسم المعركة الخوارزميات وحدها، بل تحسمها القدرة على تحويل الحقوق إلى مشروع سياسي، والسيادة إلى مؤسسات، والتضامن إلى فعل.

فالخطر الأكبر ليس أن يرسم الآخرون خرائط المنطقة، بل أن نعجز نحن عن منعهم من تقرير من يحق له أن يعيش عليها بحرية وكرامة وسيادة.

العلامات

يعجبك ايضاً

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا