من البوسفور إلى بيروت… قدر الجغرافيا وقرار الدور
في عالم تتزايد فيه الصراعات على الممرات البحرية، وتتداخل فيه حسابات الأمن والطاقة والتجارة، يكتسب مضيق البوسفور أهمية تتجاوز حدوده الجغرافية، ليغدو أحد مفاتيح التوازن بين البحر الأسود والبحر المتوسط، وبين المصالح الروسية والغربية. وفي قلب هذه المعادلة تقف تركيا، لا بوصفها دولة تتحكّم بممرّ استراتيجي فحسب، بل باعتبارها قوة إقليمية تتقاطع عندها حسابات الجغرافيا مع رهانات السياسة الدولية ومسؤوليات الاستقرار.
إن الحرص على تركيا هو، في أحد أبعاده، حرص على استقرار مساحة جيوسياسية لا تحتمل اختلالاً جديداً في موازينها. فأنقرة، بما تمتلكه من موقع فريد وصلات متعددة، قادرة على أداء دور يتجاوز إدارة المضائق إلى المساهمة في منع تحوّلها إلى أدوات للمواجهة المفتوحة. وتزداد أهمية هذا الدور كلما اقتربت الأزمات من نقاط الاختناق التي يمكن أن تربك حركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة، وتوسّع دوائر الصراع من حدودها الإقليمية إلى تداعيات دولية أوسع.
غير أن مكانة تركيا لا تستمدّ قيمتها من جغرافيتها وحدها، بل من قدرتها على تحويل هذه الجغرافيا من مصدر ضغط إلى رصيد للاستقرار، ومن ورقة تنافس إلى مساحة للتوازن. فالدول لا تُقاس فقط بما تمتلكه من مفاتيح القوة، بل أيضاً بالحكمة التي تدير بها هذه المفاتيح، وبقدرتها على الجمع بين حماية مصالحها وفتح أبواب التواصل مع الآخرين.
صراع المضائق وحوار العواصم
في هذا السياق، يكتسب اجتماع طهران الذي عُقد في 26 تشرين الأول 2026، بمشاركة تركيا والمملكة العربية السعودية وباكستان وإيران، دلالة إقليمية تستحق التوقف عندها. فقد اتفقت الدول الأربع على مواصلة المشاورات لتعزيز التعاون في قضايا السلام والأمن الإقليميين، في خطوة تفتح المجال أمام اختبار إمكانات الحوار في مرحلة تتزايد فيها مخاطر التصعيد. ولم يُعلن الاجتماع اتفاقاً تنفيذياً نهائياً، الأمر الذي يجعل أهميته مرتبطة بما يمكن أن تفضي إليه المشاورات اللاحقة من نتائج عملية.
إن القيمة السياسية لهذا اللقاء لا تكمن في افتراض زوال الخلافات بين أطرافه، ولا في التعامل معه بوصفه تحوّلاً مكتملاً في العلاقات الإقليمية، بل في أن أطرافاً تتباين حساباتها ومصالحها اختارت إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، والبحث عن مساحات مشتركة في ملفات تمسّ أمن المنطقة واستقرارها. وفي بيئة تتشابك فيها الأزمات، يصبح الحوار ضرورة لتقليص مخاطر سوء التقدير، واحتواء التصعيد، ومنع انتقال المواجهات من ساحة إلى أخرى.
وهنا تبرز أهمية الدور التركي. فتركيا ليست مجرّد دولة تقع على تقاطع البحار والقارات، بل هي طرف قادر، بحكم موقعه وعلاقاته وتاريخه، على المشاركة في مسارات التشاور التي تتجاوز حدود الجغرافيا المباشرة. وتزداد قيمة هذا الدور عندما تتكامل الاعتبارات الأمنية مع الدبلوماسية، وعندما يصبح التواصل وسيلة لحماية المصالح لا تنازلاً عنها.
وكما تفرض المضائق على القوى المتنافسة حسابات دقيقة، تفرض الأزمات الإقليمية على الدول المؤثرة مسؤولية البحث عن قواعد للتفاهم تحدّ من احتمالات المواجهة. فالقوة التي تستطيع حماية مصالحها وتُبقي، في الوقت نفسه، أبواب الحوار مفتوحة، تتيح لنفسها ولجوارها فرصاً أوسع للاستقرار. أما تحويل كل خلاف إلى معركة مفتوحة، فيجعل المنطقة أسيرة دوّامة من الردود المتبادلة، تتحمّل الشعوب والاقتصادات كلفتها المباشرة.
ولا ينبغي أن يُقرأ اجتماع طهران باعتباره نهاية للتنافس أو ضمانة لتسوية شاملة، بل بوصفه فرصة سياسية تتوقف قيمتها على قدرتها على الانتقال من تبادل الرسائل إلى تفاهمات قابلة للتطبيق، ومن إعلان الرغبة في الاستقرار إلى خطوات تحمي الملاحة والتجارة والسيادة، وتحدّ من التهديدات العابرة للحدود.
التأثّر بالتحوّلات وامتلاك الرؤية
أما لبنان، فإن دلالات هذه التحوّلات تتجاوز حدود المتابعة السياسية إلى ضرورة إعادة التفكير في موقعه ضمن معادلات المنطقة. فلبنان الذي يدرك، بحكم تجربته، كلفة الصراعات الإقليمية حين تنعكس على أرضه ومؤسساته واقتصاده، لا يستطيع أن يكتفي بمراقبة تبدّل الموازين، أو أن يترك مصيره رهينة نتائج التفاهمات بين الآخرين وإخفاقاتهم.
إن المطلوب هو بلورة سياسة خارجية تستند إلى مصلحة وطنية واضحة، وتوازن في العلاقات، واحترام متبادل للسيادة، مع تعزيز قنوات التواصل مع تركيا وسائر القوى المؤثرة، من دون ارتهان لمحور أو تحويل لبنان إلى ساحة لتصفية الحسابات. فالتوازن لا يعني الوقوف على مسافة واحدة من كل القضايا مهما اختلفت طبيعتها، بل يعني امتلاك معيار وطني ثابت تُقاس به العلاقات والخيارات، قوامه حماية الدولة ومصالح اللبنانيين، ومنع تعريض البلاد لمخاطر لا تحتملها.
ومن هنا، فإن علاقة لبنان بتركيا وسائر دول المنطقة ينبغي أن تتجاوز المجاملات الدبلوماسية إلى شراكات عملية في التجارة والنقل والطاقة والاستثمار، وأن تستند إلى رؤية تستفيد من موقع لبنان على شرق المتوسط، وتعيد وصل اقتصاده بمحيطه العربي والإقليمي. وهذا يقتضي تطوير الموانئ والبنية التحتية، وتعزيز الأمن البحري، وتحسين البيئة الاستثمارية، وبناء تعاون إقليمي يحفظ المصالح المشتركة، ويمنح لبنان فرصاً اقتصادية مستدامة.
ولا تنفصل هذه الرؤية الاقتصادية عن ضرورة استعادة الدولة قدرتها على اتخاذ القرار السيادي، لأن الموقع الاستراتيجي لا يتحوّل إلى قيمة مضافة بمجرّد وجوده على الخريطة. إنه يحتاج إلى مؤسسات فاعلة، وسياسة خارجية متماسكة، واقتصاد قادر على تحويل الفرص إلى مصالح ملموسة. فالدولة التي لا تصوغ رؤيتها لموقعها الاستراتيجي، سرعان ما تجد نفسها جزءاً من رؤى الآخرين، وتدفع أثماناً لم تكن شريكة في تحديد خياراتها.
إن اجتماع طهران يذكّر لبنان بأن الحوار الإقليمي، مهما كانت تحدّياته، يظلّ فرصة ينبغي مراقبتها والتعامل معها بعقل الدولة، لا بمنطق الانتظار أو الانفعال. فكل تفاهم يحدّ من التصعيد قد يفتح نافذة لتخفيف الضغوط عن لبنان، وكل تعثّر قد يضاعف المخاطر المحيطة به. ومن واجب السياسة اللبنانية أن تستعدّ للاحتمالين، عبر تحصين الداخل، وتعزيز العلاقات المتوازنة، وتقديم المصلحة الوطنية على حسابات الاصطفاف.
استخلاص العبر
في زمن صراع المضائق وتبدّل التوازنات، لا تكمن الحكمة في أن تختار الدول موقعها في مواجهة الآخرين، بل في أن تعرف كيف تحمي مصالحها من دون أن تغلق أبواب التفاهم. وإذا كانت تركيا تسعى إلى توظيف موقعها في معادلات الأمن والحوار، فإن على لبنان أن يستخلص من هذه التجربة ما يلائم حجمه ومصالحه وإمكاناته.
فلبنان لا يمتلك مفاتيح المضائق، لكنه يستطيع أن يمتلك رؤية تحمي موقعه على شرق المتوسط، وتحوّله من مساحة تتلقّى ارتدادات الصراعات إلى شريك في بناء الاستقرار والتعاون. والمطلوب ليس أن يكون حاضراً في كل مواجهة، بل أن يكون حاضراً في كل فرصة تحمي سيادته، وتصون استقراره، وتعيد وصل اقتصاده بمحيطه.
إن الجغرافيا تمنح الدول موقعها، لكن الحكمة تحدّد كيفية استخدامه، والإرادة السياسية هي التي تحوّل الموقع إلى دور. وبين مضيق يربط البحار وحوار يحاول تقريب العواصم، تتجلّى حقيقة واحدة: ليست قيمة الموقع في ما يتيحه من أوراق ضغط فحسب، بل في ما يفتحه من آفاق للتفاهم والتنمية والسلام.
