تحميل

إبحث

في الصميم

وطن على قارعة الطريق

Lebanon’s Uncertain Horizon

لم يعد الشرق الأوسط يعيش على إيقاع الأحداث وحدها، بل بات يعيش على إيقاع انتظارها أيضًا. المشهد الإقليمي مفتوح على احتمالات أمنية وسياسية متداخلة، تجعل الاستقرار حالة مؤقتة، والمستقبل مساحة من عدم اليقين.

في مثل هذه الظروف، لا تحتاج الاقتصادات إلى حرب فعلية كي تتضرّر، يكفي أن تصبح المواجهة احتمالًا قائمًا، والتسوية أمرًا مؤجّلًا، حتى يبدأ المستثمر بالتريّث، والتاجر بتقليص مخاطره، والسائح بإعادة النظر في وجهته، والمؤسسات بتأجيل خططها التوسّعية.

فالاقتصاد لا يقوم على المال وحده، بل يحتاج إلى الثقة والقدرة على التخطيط. وعندما تتراجع الثقة بالمستقبل، تتراجع معها الاستثمارات وفرص العمل وحركة الإنتاج، وترتفع كلفة التأمين والنقل والطاقة، لتنتقل آثار الاضطراب من ساحات الصراع إلى حياة الناس اليومية.

لبنان في قلب التداعيات

تبدو هذه المعادلة أكثر تعقيدًا في لبنان، نظرًا إلى هشاشة اقتصاده واعتماده على السياحة والخدمات والتجارة والتحويلات والاستثمارات. ولذلك، فإن استمرار الترقّب الأمني ينعكس مباشرة على مختلف القطاعات، من المؤسسات السياحية والتجارية إلى المشاريع الصغيرة والمتوسطة، التي تجد نفسها أمام صعوبة متزايدة في التخطيط والاستمرار.

ولا تقتصر الخسارة على ما يتراجع من نشاط اقتصادي، بل تشمل أيضًا ما يتعطّل من فرص استثمارية ومشاريع إنتاجية، وما يفقده الاقتصاد من قدرته على استعادة عافيته.

وقد أشار البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية إلى خطورة تداعيات تجدّد الصراع على الاقتصاد اللبناني، مقدّرًا انكماشه بنسبة 5% خلال عام 2026، مع ربط فرص التعافي في المرحلة المقبلة باستدامة الاستقرار وإعادة تأهيل البنية التحتية.

هذه المؤشرات تعكس حجم التحدّي الذي يواجه بلدًا يحتاج إلى استثمارات وإصلاحات وإعادة بناء، فيما يجد نفسه مرة أخرى أمام مخاطر تهدّد ما تبقّى من مقوّمات التعافي.

أخطر خسائر الاقتصاد اللبناني ليست الأموال التي يخسرها، بل الفرص التي لا تولد أصلًا

المواطن اللبناني يدفع الثمن

لكن الأرقام الاقتصادية، على أهميتها، لا تختصر حقيقة الأزمة. فالمواطن اللبناني يعيش الترقّب في تفاصيل يومه، في قدرته على تأمين احتياجات أسرته، وفي خوفه على عمله ومدّخراته، وفي قراره بشأن تعليم أولاده أو إطلاق مشروع جديد أو البقاء في وطنه.

إن استمرار الغموض يستنزف المجتمع، ويُضعف المبادرة الفردية، ويدفع العائلات إلى اعتماد سياسة التحوّط بدلًا من التفكير في المستقبل. أمّا الشباب، فيجد كثير منهم نفسه أمام خيار صعب بين انتظار فرصة قد لا تأتي، والبحث عن حياة أكثر استقرارًا خارج البلاد.

هنا تصبح الهجرة أكثر من مجرّد بحث عن فرص اقتصادية، إذ تتحوّل إلى نتيجة من نتائج غياب الثقة بإمكان بناء مستقبل مستقرّ في لبنان.

أزمة المنطقة وأزمة القرار

لا يمكن فصل هذه التداعيات عن التحوّلات السياسية والأمنية التي تشهدها المنطقة، حيث تتداخل حسابات النفوذ والمصالح الاستراتيجية مع المفاوضات والضغوط العسكرية. وفي ظلّ تعدّد الملفات المفتوحة، يبقى احتمال التصعيد حاضرًا، كما تبقى فرص التسويات مرتبطة بتوازنات لا يمكن ضمان مساراتها.

لكن المشكلة الأعمق تكمن في أنّ المجتمعات تدفع كلفة صراعات لا تملك دائمًا القدرة على التأثير في قراراتها.

وهنا تبرز خصوصية الحالة اللبنانية. فالتحدّي لا يقتصر على مواجهة التداعيات الاقتصادية والأمنية، بل يرتبط أيضًا بقدرة الدولة على امتلاك قرارها، وحماية مصالح مواطنيها، وإبعاد البلاد عن التحوّل إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

إن استعادة الثقة تبدأ من ترسيخ سيادة الدولة، وتعزيز مؤسساتها الدستورية، وإعادة بناء علاقاتها العربية والدولية على قاعدة المصالح المشتركة والاحترام المتبادل. فليس من الممكن بناء اقتصاد مستقرّ في ظلّ غموض القرار الوطني، أو استقطاب الاستثمارات في بيئة لا تتوافر فيها ضمانات الاستقرار.

lebanon_waiting_economy
لبنان يدفع ثمن الحروب التي لم تبدأ، والتسويات التي لم تنضج، والقرارات التي لا يملكها

من انتظار الأحداث إلى صناعة الخيارات

لا يجوز أن يبقى لبنان في موقع المتلقّي لتداعيات التحوّلات الإقليمية، منتظرًا ما ستؤول إليه المواجهات والتفاهمات كي يقرّر مصيره الاقتصادي والسياسي.

المطلوب رؤية وطنية تتعامل مع المخاطر بواقعية، وتضع حماية المجتمع والاقتصاد في صلب الأولويات، من خلال تسريع الإصلاح المالي والمصرفي، ودعم المؤسسات المنتجة، وحماية فرص العمل، وإعادة بناء الثقة مع المستثمرين والشركاء العرب والدوليين.

كما أنّ الاستقرار لا يتحقّق بالمعالجات الاقتصادية وحدها، بل يحتاج إلى مرجعية وطنية واضحة، وإلى قرار سياسي يحفظ سيادة لبنان ويجعل مصلحته العليا أساس علاقاته ومواقفه.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحوّل الترقّب إلى نمط حياة، وأن يعتاد اللبنانيون تعليق أعمالهم وأحلامهم على إيقاع التطوّرات الأمنية والسياسية المحيطة بهم.

فالدول لا تنهض بمجرّد انتهاء الحروب، بل بامتلاكها الرؤية والمؤسسات والقدرة على منع تكرارها. والسياسة ليست مجرّد انتظار لما ستقرّره الأحداث، بل هي القدرة على التأثير في مساراتها، وتقليل كلفتها على المجتمع، وحماية المستقبل من تقلّبات الحاضر.

المواطن اللبناني لا يطلب المستحيل؛ إنّه يريد وطنًا يستطيع أن يخطّط فيه للغد من دون أن يستأذن أخبار المساء، واقتصادًا لا يتوقّف عند كل اهتزاز إقليمي، ودولة تملك قرارها وتحمي مصالحه. ذلك هو جوهر الاستقرار، أن ينتقل اللبناني من انتظار المجهول إلى الثقة بالمستقبل، ومن القلق على وطنه إلى القدرة على البناء فيه.
al-Post
أمين عام "تيار المستقبل"
العلامات

يعجبك ايضاً

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا