تحميل

إبحث

في الصميم

ثورة تشرين… الطريق من الحلم إلى المطار

From Protest to Departure
ربما تأخّر المقال عن الذكرى السنوية، ولكن بعد سبع سنوات على انتفاضة 17 تشرين الأول 2019، لم يعد المشهد بحاجة إلى خطابات سياسية كي يختصر ما آلت إليه البلاد. يكفي أن تسأل سائقًا كان ينقل الشباب إلى ساحات الثورة أين يعمل اليوم، لتكتشف أن الطريق الذي كان ينتهي عند الساحة أصبح ينتهي عند المطار. بالأمس كان يوصلهم ليهتفوا من أجل وطن، واليوم يوصلهم ليغادروه
ماذا لو؟

من أراد إسقاط النظام؟

في 17 تشرين، انتفض لبنان على صورته القديمة. لم تكن الحكاية ضريبة على تطبيق إلكتروني، ولا غضبًا عابرًا من حكومة، بل انفجار جيل لم يعد يحتمل أن يعيش رهينة زعيم وطائفة ومصرف وحزب. من بيروت وطرابلس إلى صيدا وصور والنبطية، نزل اللبنانيون إلى الشوارع، وامتزجت أصواتهم في لحظة نادرة تجاوزت الحواجز التي صنعتها السياسة لعقود.

كانت الساحات مختبرًا وطنيًا مفتوحًا، هناك التقى ابن الشمال بابن الجنوب، والمسيحي بالمسلم، والفقير بالموظف والعاطل عن العمل. ارتفع شعار «كلن يعني كلن»، وخرجت أجيال لم تعرف السياسة إلا من خلال زعمائها لتقول إنّها تريد دولة لا مزرعة، ومواطنة لا تبعية، ومستقبلًا لا يحتاج إلى تأشيرة خروج.

كُسر الخوف ولم يُكسر النظام

أنجزت تشرين ما عجزت عنه قوى سياسية تقليدية لسنوات. أسقطت حكومة، وكسرت جدار الخوف، وعرّت منظومة المحاصصة، وأعادت طرح أسئلة الفساد والمساءلة والسيادة والعدالة. كما فتحت الباب أمام وجوه مستقلة وصلت إلى البرلمان في انتخابات 2022.

لكنّها أخفقت في تحويل الغضب إلى مشروع حكم. لم تنتج قيادة موحّدة، ولا برنامجًا اقتصاديًا متكاملًا، ولا تنظيمًا سياسيًا قادرًا على حماية زخم الشارع. تفرّقت مجموعاتها، وتنازعت بعض وجوهها على التمثيل والزعامة، فيما بقيت المنظومة أكثر تنظيمًا وقدرة على استثمار انقسامات خصومها.

لم يكن إسقاط حكومة كافيًا لإسقاط نظام، ولم يكن ملء الساحات بديلًا عن بناء مؤسسات سياسية وشعبية قادرة على الاستمرار.

 

الثورة ضدّ نفسها؟

استُخدمت الانقسامات الطائفية لتفكيك وحدة الشارع، وتحوّلت تهمة العمالة للخارج إلى سلاح في مواجهة المعارضين، فيما دخلت أطراف سياسية على خطّ الحراك محاولةً توظيفه أو استقطاب بعض رموزه. وتزامن ذلك مع القمع والاعتداءات، ثم جاءت جائحة كورونا والانهيارات المالية وانفجار المرفأ لتستنزف الشارع وتدفع الناس إلى معركة البقاء اليومية.

لم تكن كل الإخفاقات مؤامرة على الثورة، فبعضها كان نتيجة أخطاء داخلية، وغياب الخبرة السياسية، وسوء إدارة الخلافات، والعجز عن تقديم بديل يقنع الناس بأنّه قادر على إدارة بلد معقّد مثل لبنان.

أمّا المنظومة، فاستطاعت إعادة ترتيب صفوفها، واستعادة جزء من جمهورها، وتقديم نفسها أحيانًا بوصفها الحامي من الفوضى التي ساهمت سياساتها في إنتاجها.

سائق الثورة… سائق الهجرة

لكنّ الصورة الأكثر إيلامًا بعد سبع سنوات ليست في البرلمان ولا في المؤتمرات السياسية، بل في حكاية سائق يسأله أحدهم: «أين كنت أيام الثورة؟».

يجيب ببساطة: «كنت أنزّل الشباب إلى الساحات، واليوم أنزّلهم إلى المطار».

هذه الجملة تختصر مأساة بلد بأكمله. السائق نفسه، والطريق نفسه، والشباب أنفسهم، لكن الوجهة تغيّرت. بالأمس كان البنزين يُستهلك للوصول إلى ساحة الاعتراض، واليوم يُستهلك للوصول إلى طائرة المغادرة. بالأمس كان الشباب يحملون لافتات تطالب بوطن، واليوم يحملون حقائبهم بحثًا عن وطن آخر.

حتى السخرية اللبنانية التي رافقت الحوار تحمل وجعًا عميقًا: أين ذهب الوعي الذي تحدّثنا عنه؟ وهل أصبح الوعي عاجزًا عن تعبئة خزّان الوقود، أو دفع إيجار المنزل، أو تأمين فرصة عمل؟ هذه ليست هزيمة جيل تشرين وحده، بل خسارة وطن يستثمر في تذكرة خروج أبنائه بدلًا من استثمار طاقاتهم في بنائه.

october_to_airport

لا تجعلوا تشرين ذكرى للعجز

بعد سبع سنوات، لا يجوز اختزال الانتفاضة في سؤال مَن نزل ومَن لم ينزل، ولا تحويلها إلى شهادة ثورية يتبادل أصحابها الاتهامات. المطلوب محاسبة التجربة، لا دفنها؛ استعادة روحها، لا تقديس أخطائها.

لقد أخفقت تشرين في تغيير السلطة، لكنّها غيّرت علاقة اللبنانيين بها. وهذه مساحة يجب ألّا تُترك للمنظومة كي تستعيد احتكارها للوعي والشارع والمستقبل.

فالثورة التي لا تستطيع أن تمنح أبناءها سببًا للبقاء، ستظلّ تطاردهم في صالات المغادرة. والوطن الذي يودّع شبابه كل يوم، لا يحتاج إلى احتفال بذكرى ثورته بقدر ما يحتاج إلى إجابة عن سؤال واحد: مَن سرق المستقبل الذي خرجنا ذات يوم لنستعيده؟

العلامات

يعجبك ايضاً

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا