تحميل

إبحث

في الصميم

من معروف سعد ورفيق الحريري… إلى عمر مرجان وعامر معطي

Saida up

في المبدأ، يَحِقُّ لِشَخصٍ كَعُمر مَرجان أن يَطمَح. أن يَرى نَفسَهُ أهلًا لأفكار تبيت في عقله وتتكاثر. أن يَعتَبِرَ غيرَهُ من المُتربِّعين على كَراسي المدينة مُنذُ سِنين لَيسوا أفضَلَ مِنهُ بِشيء. أن يَسعى لِيقولَ ما يُفكِّر فيه ويَعتقِدُ به، لأَن يَتركَ أَثرًا في مَحيطِهِ وَعائلتِهِ وَمَعارِفِهِ، أَقَلَّهُ كما يَرى الأُمورَ من مَنظورِهِ.

وفي المبدأ نَفسِهِ، يَحِقُّ لعامر مَعطي أيضًا أن يَرى في نَفسِهِ أَهليَّةً لِتَرؤُّسِ المَجلِسِ البَلديِّ القادِمِ لِلمدينة. يَتَلفَّتُ حَولَهُ على الطاوِلَةِ الخَشَبِيَّةِ الطَّويلة، فلا يَرى مَن هُم أَكفَأُ مِنهُ مِن رَأسِها حَتّى آخِرِ كَراسيها.

يَحِقُّ لهُ أن يَعتَبِرَ أنَّ العَمَلَ في الشَّأنِ العام لَهُوَ أَمرٌ يَسير، خُصوصًا إِن كان قائِمًا على “سَمسَرَةٍ” غَيرِ مُتوقَّعة لِبَيعِ شُقَّةٍ في بَيروت لِخَليجيٍّ مُترَف. فَالـ٢٠٠ أَلف دُولار الَّتي لَم تَكُن في الحِساب، كَفيلةٌ بِأَن تَجعَلَ الطَّبل والزَّمر يَقرَعون لِدُخولِهِ فاتِحًا أَحَد أحياء المدينة الَّتي لَم تَعرِف أَزِقَّتُها الزِّفت مُنذُ سِنين. فَتَكون “السَّكرة”.

قد يَكون مَعطي مُحِقًّا حين يَرى في نَفسِهِ ذَكاءً مُتَّقِدًا وَقِصَّةَ نَجاحٍ يَجِبُ أن تُعَمَّم. فَالأَمرُ تَبَيَّن أَنَّهُ سَهل، وَلَيس كما يُصوِّرونَه. السِّياسةُ شَيءٌ جَميل، سَهل، وَالعَمَليَّةُ بِرمَّتِها تَحتاجُ بَضعَ شُبَّانٍ يَرتَدون “جيليهات” تَحمِلُ اسمَ مَجمُوعةٍ عَلَيها، وَقَليلًا من المالِ يُنثَرُ على “فايسبوك” وَبَعضِ المَواقِع المَحلِّيَّة لِيُصبِح صاحِبُها بَطلًا تَنتَظِرُهُ المدينةُ مُنذُ سِنين. رَجُلُ أَفعال، لا رَجُلُ كَلامٍ فَحَسْب، خُصوصًا إذا ما اقترَنَت “ظاهِرَتُه” بِبَضعِ صُوَرٍ لِزِياراتٍ على شَخصيّاتٍ وَرِجالاتِ أَمنٍ وَعامِلينَ في الشَّأنِ العام. حينَها يَتَحوَّلُ صاحِبُها إلى أُسطورَةٍ حَيَّةٍ في نَظرِ العَوامِّ المُتعطِّشينَ لِحُلولٍ سِحرِيَّةٍ في زَمنٍ مَلَّت فيهِ النّاسُ من واقِعِها المَزرِي ولُغَةِ التَّسوِيف وَالتِّكرار وَالانتظار.

####

وَمِن حيثُ المَبدأ نَفسِه، يَحِقُّ لِمَن تَبقَّى لَهُم بَعضٌ من عَقلٍ في هذِه المدينة أن يَسألوا: ما الَّذي أَوصَلَنا إلى هذا الدَّرَك مِنَ الانحِسار؟ إِن لَم نَقُلِ الانحِدار.

مَدينَةٌ بَدأت كِتابةَ تاريخِها السِّياسيِّ وَالفِكريِّ المُعاصِر بِرِجالاتٍ مِن وَزنِ رياض وَسامي الصَّلح وَعادل عسيران وَمعروف سَعد، مُرورًا بِنَزيه وَصَلاح البَزري وَلَبيب أَبو ظَهر وَغَسان حَمود وَالمُفتي جلال الدين وَرفيق الحَريري وناجي العلي، تَنهِي بِهكذا عَيِّنات؟ أَهُوَ الفَراغُ أَمِ التَّفاهة؟ أَم كِلاهُما مَعًا؟

أَلَم يَعُد في صَيدا اليَوم حَديثٌ إِلّا عن عُمر مَرجان وَمِن أَينَ جاءَ بِالمالِ الَّذي يُنفِقُهُ على طُموحِهِ؟ وَيُصبِحُ تَزفِيتُ جُورةٍ ـ على أَهمِّيَّتِه ـ حَدَثًا جَللًا في مَدينَةٍ تَتَفلَّتُ مِن بَينِ يَدَي أَهلِها كُلَّ يَوم، دُونَ أن يُعتَبَرَ ذلِكَ خَطرًا وُجودِيًّا، كَالوَباءِ الأَصفَر الَّذي لَن يَترُكَ أَحَدًا لِيَفرَحَ بِإِنجازٍ قَد يَحلُمُ بِتَحقيقِهِ في مُخَيِّلَتِهِ يَومًا.

####

أَينَ الثِّقلُ في مَدينَةٍ تُصبِحُ يَوميًّا أَخَفَّ مِن ريشَةٍ في مَهبِّ الرِّيح، تَتقاذَفُها الأَهواءُ وَالأَنواء. تَجعَلُ كُلَّ مَنِ امتَلَكَ ٣٠٠ أَلف دُولار بضربة عِقاريَّة أَو طَفرةِ عُملَةٍ رَقمِيَّة مُؤهَّلًا لِلخَوضِ في الشَّأنِ العام وَاستِلامِ القِيادَة وَالتَّفَنُّن في شُؤونِ النّاس وَالسِّياسَة.

سَيَقولُ كُثُرٌ إِنَّ في الأَمرِ تَحامُلًا على أَشخاصٍ أَخَذوا المُبادَرة وَقَرَّروا العَمَل لِلمدينة، كُلٌّ وَفقَ مَنظورِهِ وَقَناعاتِهِ، في وَقتٍ اعتَكَفَ الآخَرونَ عن القِيامِ بِأَيِّ عَمَلٍ أَو تَقديمِ أَيِّ أَمرٍ لَها. وَأَنَّ “هَكذا بَلَد بَدها هَكذا ناس”، وَأَنَّ المُجتَمَعات تَفرِضُ قِيادَاتِها وَفقًا لِلتَّطوُّرات الَّتي تَشهَدُها في مَسيرَتِها الإنسانيَّة وَالحَياتيَّة، وَأَنَّ لِكُلِّ زَمنٍ رِجالَه.

####

نَظَريًّا قد يَكونُ ذلِكَ صَحيحًا، لأَنَّ الحَياةَ لا تَقبَلُ الفَراغ، وَلا بُدَّ مِن مَلئِهِ. لَكِن استِسلامُ “القادِرينَ” لِظَواهِرَ كَهذِه يَعتَبِرُ خَطيئَةً بِحَقِّ المدينةِ وَأَهلِها، وَأَنَّ تَراجُعَ الكَفاءاتِ وَالتَّسليمَ بِالواقِعِ القائِم يُعَدُّ قِلَّةَ أَمانَةٍ تُجاهَ المدينةِ وَأَهلِها، وَلَهُم حَقٌّ على مَن يَملِكُ شَيئًا لِيُقَدِّمَه. لِذا كان لا بُدَّ مِن “الأُمناء” أن يَتَحَرَّكوا، وَأَن يَتَجمَّعوا وَيَتَأَطَّروا لِيَكونوا قِيمَةً مُضافَة وَبُوصلَةَ الحَقِّ في زَمنِ الرَّداءَة وَالخِفَّة. فصيدا تستحق أكثر من هؤلاء…جميعا لا نستثني منهم أحدا…

هُنا نَستذكِرُ مَوقِفًا طَريفًا لِلرّاحِل زِياد الرَّحباني حين سُئِلَ مَرَّةً عن هَيفاء وَهبي، فَكانَ الرَّد: “تَركنالها الشَّرم… فَتَركيلنا الموسيقى، إنّو واحْدة مِثل هَيفا لَيه بَدّا تُغَنّي؟”

لِذا كان لا بُدَّ مِن "الأُمناء" في المدينة أن يَتَحَرَّكوا، وَأَن يَتَجمَّعوا وَيَتَأَطَّروا لِيَكونوا قِيمَةً مُضافَة وَبُوصلَةَ الحَقِّ في زَمنِ الرَّداءَة وَالخِفَّة
العلامات

يعجبك ايضاً

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا