زمن الكلِّ شيء… واللاشيءِ
لم أتخيَّلْ يومًا أن ذلك سيحدث. لم أظنَّ، وإنَّ بعضَ عدمِ الظنِّ إثمٌ، أن نصل إلى يومٍ تصبح فيه الجريدةُ اليوميةُ أو المجلَّةُ التي كنَّا، نحن جيلَ السبعينات والثمانينات، ننتظر صدورَها من أسبوعٍ لأسبوع أو من شهرٍ لشهرٍ بفارغِ الصبر، شيئًا من الماضي، لتحلَّ مكانَها منصَّاتٌ وبوستاتٌ وتويتاتٌ وبودكاستاتٌ وستوريهاتٌ ويوتيوباتٌ سينقطع نفَسُنا إن حاولنا فقط إحصاءَها أو تصنيفَها. بل وقد تضيع أعمارُنا وأعمارُ سكّانِ الكرة الأرضية إن حاولنا مشاهدتَها..
تدفُّقٌ مهولٌ للمعلومات
في سؤالٍ بسيطٍ لـ”غوغل”، أفادني بأن ما يقارب 518,400 ساعة من الفيديو تُرفع يوميًّا على موقع “يوتيوب”. بهذا المعدَّل، تستغرق مشاهدةُ كلِّ الفيديوهات المنشورة في يومٍ واحدٍ أكثر من 500 عام.
أمَّا منصَّة “تيك توك”، فتستغرق مشاهدةُ فيديوهاتِ اليوم الواحد 43.2 عامًا بشرط ألّا يرفَّ لك جفنٌ لكي لا يضيع عليك مشهدٌ واحد.
من جهتهم، يرفع المستخدمون على “فيسبوك” أكثر من 300 مليون صورة، ويُحدّثون 293,000 حالةً كلَّ دقيقة، وبذلك تُنتج المنصّة قرابة 4 بيتابايت من البيانات يوميًّا (والبيتابايت هي كناية عن 1000 جيغابايت).
ويشارك مستخدمو “إنستغرام” أكثر من 95 مليون صورةٍ وفيديو يوميًّا، في حين يغرّد مستخدمو منصّة “إكس”، تويتر سابقًا، بأكثر من 500 مليون تغريدةٍ يوميًّا (المعلومات على ذمّة غوغل).
عدويّةٌ والغسيلُ ووقتٌ يُمضى
إنَّه زمنُ الكلِّ شيء. كلّو على كلّو، على حدِّ قول المطرب الراحل أحمد عدوية. الغسيلُ، النظيفُ والوسخ، بات منشورًا على صفحات السوشيال ميديا علَّه يجذب انتباهَ المارّة في الشوارع الرقميّة، الذين يبصقون عليه أحيانًا أو يقذفونه بقاذوراتِ الشارع، فيُلمّ ويُنشر مكانَه غسيلٌ آخر، وهكذا…
أفتح فيسبوك لأنشرَ فكرةً أخطأت وخطرَت ببالي، أو لأقرأَ ما دوَّنته فلانة التي تعجبني أفكارُها وكتاباتُها، أو أشاهد فيديو على يوتيوب لعلّان الذي يقدّم محتوىً مفيدًا، فتنهال عليَّ الستوريهاتُ والبوستاتُ والإعلاناتُ والاقتراحاتُ والنكاتُ والريلاتُ، فأسمعُني، وقد مضت ساعاتٌ لم أحسّ فيها بوقعِ الدقائق والثواني ولم أصل بعدُ إلى فلانة أو علّان.
أتمتم بوجل: “إنّي أغرقُ، أغرقُ، أغرقُ”، فأنتشل نفسي وقد أصابني ما أصابني من همٍّ وغمٍّ وكدرٍ وحسرةٍ لتضييع الوقت على موادّ “زغللت” عينيَّ وطمست عقلي وحجبت عنه موادَّ أخرى هامّة مرّت بين الغثِّ مرورَ الكرام، فلم تلتقطها ذاكرتي المنهَكة أصلًا بفعل السنين.
مؤثِّرون ومؤثِّراتٌ لوجه الله
إنَّه زمنُ الكلِّ شيءٍ واللاشيءِ، وبات كثيرون مؤثِّرين ومستشارين وموجّهين ومرشدين تترافق أسماؤهم على “لينكد إن” وغيرها بأحرفٍ أجنبيّة ستحتاج إلى قاموسٍ خاصٍّ لمعرفة كُنهها. اختلط فيهم الحابلُ بالنابل والصالحُ بالطالح.
أمس مثلًا، خرجت إحداهنَّ بفيديو تخاطب فيه شخصًا ما (بأسلوب “الكلام لك يا جارة” المعتمَد حاليًّا في هذه الفيديوهات، حيث يبدو المؤثِّر وكأنَّه يخاطب شخصًا قابعًا وراء الكاميرا، فيما أنا وأنت المستهدَفان بالكلام)، وهي بكامل جمالها وأناقتها وماكياجها وطلاء أظافرها، داعيةً إيّانا بوجهٍ مبتسمٍ لا تتغيّر ملامحه إلى التسامح مع أهلنا وعدم الاستسلام لدور الضحيّة لـ”نَشْفَع”(!) غليلَنا منهم، وإلى تفهّم “جَهلِن النفسي” و”قلّة الوعي الذاتي اللي كانوا عايشين فيه” إلخ…
هذا على أساس أنّنا أقلُّ جهلًا وأكثر وعيًا ذاتيًّا منهم، وعلى أساس أنّها، بوصفها لهم بالجهل وقلّة الوعي، ولو من دون قصد، قد برَّتْهم وأحسنت إليهم بغفرانها لهم ما سببوه لها من ألم. هذا ناهيك عن أطنانٍ غيرها من المؤثّرات والمؤثّرين الذين يريدون، لوجه الله، أن يعلّمونا كيف نتنفّس ونتكلّم ونأكل وننام ونعيش وننتج ونقرأ…
