تحميل

إبحث

في الصميم

حتى يُسحَل الصفوي في شوارع طهران

إيران بين الماضي والحاضر

لا نملك ذاكرةً حاضرةً في أذهاننا عن إيران، سوى صورٍ لراياتٍ سودٍ وحمراءَ وصفراء، وعمائمَ لرجالِ دين، وقمصانٍ بياقاتٍ مُقفلةِ الأزرار، وفتياتٍ يُغطّين شعورهنّ بشالات، وشوارعَ تفتقد الألوان المفرِحة والحيوية، وقِبابِ مساجدَ مُذهَّبة…
تلك هي إيران التي يعرفها أكثرُنا.
وقد يملك بعضُنا صورًا عن حقبةِ شاهٍ مُترَف، وزوجةٍ باذخة، تركا كلَّ شيءٍ ليحلَّ في المشهد الإيراني صورةُ الخميني وزبانيته، وهو ينزل سلّم الطائرة، ليفتح صفحةً في منطقتنا، ملؤها الحقدُ والدمارُ والتخلّفُ والحروبُ والانقسامُ والتقاتلُ وإحياءُ أحقاد الماضي…

الصفوي

منذ أن دخل سعدُ بنُ أبي وقّاص المدائن، ولبس سراقةُ بنُ مالك سواريَ كسرى، وفارسُ تدين بالإسلام. إسلامُ عمر، الخليفةِ الذي فتحها.
بقيت هكذا على المذهبين الشافعي والحنفي، وقدّمت للإسلام جمهرةً من العلماء والمفكّرين والمحدّثين العباقرة في كلّ العلوم، وأقامت حواضرَ تنضح علمًا وفكرًا وأدبًا.
هكذا كانت فارس حتى عام 1501، حين دخل تبريزَ إسماعيلُ الأوّل الصفوي، قادمًا من أردبيل في أذربيجان، على رأس جماعاتٍ من غلاة الشيعة، مستغلًّا التمزّق السياسي للبلاد آنذاك، ليُزيح الإمارات التركمانية بالدم والنار، ويقيم دولةً شيعيةً إماميةً شديدة الحقد على المسلمين السنّة، مُخلِّفًا وراءه أكثرَ من مليون قتيل، من بينهم أمُّه.
يقول المؤرّخ قطب الدين النهروالي “لإجبار الناس على تغيير مذهبهم، قتل الصفوي إسماعيل علماءَ السنّة، وعمد إلى ملء الفراغ من خلال استحضار علماء الشيعة من جبل عامل في لبنان”.

iran_historical_contrast

لم تقتصر جرائمُ إسماعيل على إيران وحدها، بل امتدّت إلى خارجها؛ فهاجم العراق واحتلّ بغداد، وفتك بأهلها السنّة، كما حارب الدولة العثمانية وأربك جهادها في أوروبا، وتآمر مع القوى الصليبية الأوروبية ضدّ العثمانيين.
إضافةً إلى ذلك، توسّع باتجاه خراسان، وقاتل الأوزبك السنّة في منطقة ما وراء النهر، وأنهك تلك البلاد، ما جعلها لقمةً سائغةً أمام الروس.
بعد سقوط الدولة الصفوية عام 1736، ورثت الدولة القاجارية مجتمعًا شيعيًا معاديًا للمسلمين السنّة، حتى عام 1979، حين انبعثت الصفوية من جديد، في ثورةٍ ذات طابعٍ شيعيٍّ إماميٍّ وقوميٍّ فارسي.
وقامت جمهوريةُ إيران الخمينية الحالمة باستعادة الدولة الصفوية والإمبراطورية الفارسية القديمة… حتى أعاد دونالد ترامب حساباته.
فهل ينجح ستيف ويتكوف في إبقاء الصفويين الجدد خنجرًا في خاصرة هذه المنطقة والعالم أجمع؟
لا يبدو ذلك.

ايران اضطرابات

للأتراكِ والفرسِ علاقةٌ خاصّةٌ مع فكرةِ «البازار»، أي السوق، قد لا نفهمها جيّدًا نحن العرب.
علاقةٌ تعكس تعلّقًا قويًّا بماديّةِ الأشياء والموجودات، بينما للعرب جنوحٌ أقوى نحو الروحانيّات، بشكلٍ عقلانيٍّ يُجيب عن سؤالٍ قديم: لماذا كان مهبطُ الوحي عربيًّا، في صحراءَ رمالٍ وقبائل، من صفاتٍ اصطفاها الله قبل الخليقة نفسها؟

تاريخيًّا، لم يُسجِّل الفرسُ بطولاتٍ في معاركهم الوهميّة. إنّهم قومٌ لا قبلَ لهم بالحرب، كما قال خالدُ بنُ الوليد يومًا.
يسودون دون بطولاتٍ أو معارك. يمتهنون الخديعةَ واستخدامَ «الآخر» لتحقيق مآربهم. خناجرُهم من الخلف، كأبي لؤلؤة المجوسي، وفي المواجهة يتفنّنون بعلم التفاوض والتنازل وحياكة السجاد فحسب..

فهل تسقط “ثورةُ البازار” حكمَ الملالي، لأناسٍ دينُهم الدينار، في زمن الاستهلاك الأكبر؟

حتى يُسحَل ذلك الصفويُّ المجرم وأصنامُه في شوارع قم وخراسان وأصفهان… لا أملَ بعودة أبي حنيفة، والجاحظ، والبيروني، وابن الهيثم، ومسلم، والبخاري، والخوارزمي…إليها.

العلامات

يعجبك ايضاً

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا