تحميل

إبحث

في الصميم

لا تَنتَخِبوا…«رَجُلَ القَشِّ»

رجل القش

عندما اخترع الإنسان «رجل القش»، لم يكن يبتكر مغالطةً فكريّةً فحسب، بل كان يؤسّس لواحدةٍ من أخطر أدوات السيطرة السياسيّة: اختراع عدوٍّ وهميّ، تضخيم الخوف، وتحويل القلق الشعبيّ إلى وقودٍ انتخابيّ. فالوهم، حين يُدار بذكاء، يصبح أكثر قدرةً على التحكّم بالعقول من الحقيقة نفسها.

اليوم، في لبنان، ومع اقتراب الموعد المفترض للانتخابات النيابيّة، نشهد نسخةً سياسيّةً متطوّرةً من «رجل القش»: خطابٌ تخويفيّ، تعبئةٌ غرائزيّة، وشياطينُ إعلامٍ مُصنَّعة، بينما تُدار اللعبة الحقيقيّة خلف الكواليس عبر تحالفاتٍ انتهازيّة لا يجمعها مبدأٌ ولا مشروع، بل شهيّةٌ مفتوحة للكرسيّ النيابيّ.

تحالفات بلا هوية

كيف يمكن لقوى تدّعي تمثيل «المقاومة» أن تتحالف انتخابيًّا مع أطرافٍ طالما وصفتها بالفساد أو التبعيّة؟
كيف يمكن لتيّاراتٍ رفعت شعار «السيادة والإصلاح» أن تعقد صفقاتٍ مع رموزٍ من المنظومة التي أوصلت البلاد إلى الانهيار؟
وكيف يمكن لحركاتٍ دينيّةٍ أو عقائديّةٍ أن تُبرّر فجأةً تحالفها مع مشاريع ليبراليّة أو زبائنيّة، فقط لضمان مقعدٍ إضافيّ في البرلمان؟

نرى ذلك بوضوح في تقاطعاتٍ ومساوماتٍ بين قوى مثل حزب الله، وحركة أمل، وأطرافٍ من التيّار الوطنيّ الحرّ، وفكر الإخوان المسلمين المتمثّل بـ«الجماعة الإسلاميّة»، وامتداداتٍ من تيّار المستقبل السابق، إلى جانب شخصيّاتٍ محلّيّةٍ تبحث عن إعادة تدوير نفوذها تحت أيّ عنوانٍ انتخابيّ.

إنها ليست سياسة بل سوقٌ مفتوحةٌ للمبادئ.

مدينة تُدار بالصفقات لا بالمشاريع

في صيدا، المدينة التي تمتلك تاريخًا سياسيًّا وثقافيًّا عريقًا، تتجلّى هذه الانتهازيّة بأكثر صورها فجاجة.
تحالفاتٌ رماديّة تجمع بين شخصيّاتٍ محسوبة على تيّاراتٍ دينيّة، وأخرى مرتبطة بشبكاتٍ زبائنيّةٍ تقليديّة، وأسماءٍ تدور في فلك النائبة السابقة بهيّة الحريري أو بقايا المنظومة المستقبليّة، في مقابل محاولات استقطاب من قوى تدّعي التغيير، بينما تدخل في مساوماتٍ تكتيكيّة تناقض خطابها بالكامل.

النتيجة: لوائح بلا هويّة، شعارات بلا مضمون، ومرشّحون بلا مشروع، سوى إعادة إنتاج السلطة نفسها بوجوهٍ مُعدَّلة.

يُقال للناخب الصيداويّ: «احذر الخطر»، لكنّ الخطر الحقيقيّ هو هذا المسرح الانتخابيّ نفسه، الذي يُدار بالخوف لا بالرؤية، وبالتحريض لا بالبرامج، وبالتخوين لا بالمحاسبة.

الوهم كأداة حكم

يُضخَّم خصم، وتُشيطَن قوى، وتُستحضر ذاكرة الحرب والطائفة والانقسام، لا دفاعًا عن الوطن، بل لتبرير تحالفاتٍ لا يمكن الدفاع عنها أخلاقيًّا أو سياسيًّا.
يُقال للناس إنّ هذه الصفقات «واقعيّة سياسيّة»، بينما هي، في الحقيقة، واقعيّةٌ انتهازيّة.
ويُقال لهم إنّ النقد خيانة، بينما الخيانة الحقيقيّة هي بيع الوعي مقابل المقعد النيابيّ.

وهكذا، يتحوّل «رجل القش» إلى حالةٍ ذهنيّةٍ جماعيّة: خوفٌ مُصنَّع، وعيٌ مُعطَّل، وعقلٌ يتنازل طوعًا عن حقّه في السؤال.

الانتخابات ليست مباراة شعارات

المعركة الانتخابيّة المقبلة في لبنان، وفي صيدا خصوصًا، ليست مجرّد سباقٍ على الأصوات، بل اختبارٌ أخلاقيّ وفكريّ للناخبين:
هل نقبل أن تتحالف مشاريع متناقضة فقط لضمان فوزٍ انتخابيّ؟
هل نسمح لمن أفشلوا الدولة أن يُعيدوا إنتاج أنفسهم عبر تحالفاتٍ هجينة؟
هل نستمرّ في مطاردة أعداء وهميّين، بينما تُدار الصفقات فوق رؤوسنا؟

فالخطر الحقيقيّ ليس في خصمٍ سياسيّ بعينه… ولا في حزبٍ محدّد… بل في منظومةٍ كاملة تصنع الوهم، وتُدير الخوف، وتُنتخب باسم الاستقرار. والأخطر من ذلك كلّه، أن نعرف الحقيقة… ونصوّت للوهم.
جريدة البوست
العلامات

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا