في وقتٍ تتشابك فيه الأزمات الجيوسياسيّة مع الاضطرابات الاقتصاديّة، عاد الذهب ليتصدّر واجهة النقاش العالمي، باعتباره أحد أقدم وأهم أدوات التحوّط في التاريخ. وبين تحليلاتٍ متفائلة تتحدّث عن قممٍ قياسيّة، وأخرى تُحذّر من تصحيحاتٍ محتملة، يبقى السؤال الأساسي: لماذا يشتعل الحديث عن الذهب الآن؟ وإلى أين يتّجه فعليًّا؟
يأتي صعود الاهتمام بالذهب في مرحلة يشهد فيها العالم تداخلًا غير مسبوق بين العوامل السياسيّة والاقتصاديّة. فالنزاعات الإقليميّة، وعودة الاستقطاب بين القوى الكبرى، إضافةً إلى تباطؤ النمو في عددٍ من الاقتصادات المتقدّمة، كلّها عوامل دفعت المستثمرين والمؤسّسات إلى إعادة تقييم أدوات التحوّط التقليديّة. في هذا السياق، برز الذهب كأصلٍ غير مرتبطٍ مباشرةً بالعملات أو السياسات الحكوميّة، ما جعله خيارًا مفضّلًا في فترات عدم الاستقرار، ولا سيّما مع تراجع الثقة النسبيّة بالعملات الورقيّة.
لماذا يعود الذهب إلى الواجهة؟
يمكن تلخيص أسباب صعود الاهتمام بالذهب في مجموعة عوامل متداخلة، أبرزها تصاعد التوتّرات الجيوسياسيّة والنزاعات الإقليميّة والصراعات بين القوى الكبرى، وهو ما يدفع المستثمرين، في حالات عدم اليقين، إلى البحث عن أصولٍ لا ترتبط مباشرةً بحكوماتٍ أو عملات.
السبب الثاني يتمثّل في القلق من السياسات النقديّة العالميّة، حيث إنّ التذبذب في أسعار الفائدة واحتمالات العودة إلى التيسير النقدي يضعفان الثقة بالعملات الورقيّة ويعزّزان جاذبيّة الذهب. ويضاف إلى ذلك مخاوف التضخّم طويل الأمد، التي تجعل الذهب أداةً مفضّلة لحفظ القيمة.
الذهب ليس وسيلةً للثراء السريع، بل يُنصح بالتعامل معه بوصفه أداة حمايةٍ وحفظ قيمة لا أكثر
بين التحوّط والمضاربة
على الرغم من الزخم الإعلامي المحيط بالذهب، تُشير القراءة الاقتصاديّة المتأنّية إلى أنّ السوق لا يتحرّك بدافعٍ واحد، بل نتيجة مزيجٍ من طلبٍ مؤسّسيٍّ حقيقي، وتحّوطٍ استثماري طويل الأمد، ونشاطٍ مضاربيٍّ قصير الأجل يستفيد من حالة القلق العام. وعليه، فإنّ الافتراض بأنّ الذهب يسير في مسار صعودٍ دائم يفتقر إلى الدقّة، إذ تبقى التصحيحات السعريّة واردةً في أيّ لحظة، ولا سيّما في حال تحسّن مؤشّرات النمو أو تشديد السياسات النقديّة بشكلٍ مفاجئ.
حتّى الآن، لا تتوافر المؤشّرات الكلاسيكيّة التي تسمح بتوصيف سوق الذهب على أنّه فقاعةٌ سعريّة. فالطلب الحالي لا يعتمد بشكلٍ أساسي على الرافعة الماليّة أو المضاربات المفرطة، كما أنّ محدوديّة العرض الطبيعي للذهب تُشكّل عامل توازنٍ في السوق. غير أنّ المخاطر تبقى قائمة، خصوصًا على مستوى الأفراد الذين يدخلون السوق عند مستوياتٍ مرتفعة بدافع الخوف أو التوقّعات غير الواقعيّة.
ماذا على المواطن والمستثمر العادي أن يفعل؟
الذهب ليس وسيلةً للثراء السريع، بل يُنصح بالتعامل معه بوصفه أداة حمايةٍ وحفظ قيمة لا أكثر. التنويع يبقى القاعدة الذهبيّة في الاستثمار، وعدم وضع كامل المدّخرات في أصلٍ واحد. كما يُفضَّل الشراء التدريجي بدل الدخول دفعةً واحدة في فترات الضجيج الإعلامي والتضخيم.
يعكس صعود الذهب في المرحلة الراهنة حالة قلقٍ عالمي أكثر ممّا يعكس انتعاشًا اقتصاديًّا. فالمعدن الأصفر يستفيد من هشاشة الثقة بالنظام المالي الدولي، لكنّه يظلّ عرضةً للتقلّبات، شأنه شأن أيّ أصلٍ ماليٍّ آخر. التحليل الأقرب إلى الواقع يُشير إلى أنّ الذهب سيبقى عنصرًا حاضرًا بقوّة في المحافظ الاستثماريّة والمؤسّسيّة على المدى المتوسّط والطويل، لكن ضمن مسارٍ متذبذب تحكمه التطوّرات السياسيّة والنقديّة، لا ضمن موجة صعودٍ مستقرة ومضمونة.
في عالمٍ تزداد فيه المفاجآت، يبدو أنّ الذهب لا يزال يحتفظ بدوره القديم:
ملاذًا عند الخوف… لا وعدًا مضمونًا عند الطمع.