جمهوريّاتُ الحشو الفارغ… المؤثِّرون في زمن العطب العقليّ
كمية الحشو في وسائل التواصل، في شتى المواضيع، أصبحت تبعث على الإعياء… كأنك تمشي في سوقٍ بلا أبواب؛ تُفتح عليك فيه كل الأصوات دفعة واحدة: مواعظ، نظريات، “تحليلات”، وحقائق “نهائية”. ثم تصحو لتكتشف أنك لم تتعلم شيئًا سوى فنّ الامتلاء الفارغ
الحقائق النهائية وثقافة اليقين السريع
مسألة “الحقائق النهائية” و”الإجابات اليقينية” هي الطامة الكبرى: كلٌّ يتحدث بلا أدنى مستوى من البحث والتحقق. يتحدثون بناءً على تجاربهم الخاصة ومعارفهم الضيقة وما اعتادوه في محيطهم الصغير، ثم يوزعون النصائح على العالم أجمع. والحقيقة أن بناء الأفكار على التجارب الشخصية وحدها قمة الانغلاق والجهل. صار الواحد يفتح فمه فتخرج منه “موسوعة”… بلا مراجع طبعًا، لأن “التجربة الشخصية” أهم من كل شيء: هي الدليل والبرهان، وهي ختم الجودة.
وتتوالد النظريات كالإشعارات على هاتفك حين تضعه في جيبك: لا تدري من أين تأتي، لكنها لا تتوقف. نظريات لا تنتهي عن الغرب وجذوره الفلسفية المتمثلة في “جزيرة الشيطان”، ونظريات أخرى تدافع عن الغرب وتتهم الشرق بـ”جزر شيطانية” كثيرة.
كل طرف يمسك خريطته، يرسم الشر حيث يشاء، ثم يطلب من الناس التصفيق لاكتشافه العظيم: “لقد وجدتُ الشيطان!”… وكأن الشيطان يسكن بلادًا دون أخرى. فلا كلام عن الآليات، ولا عن الفلسفات الاجتماعية والثقافية والتاريخية التي قدّمها علماء كبار، ابتداءً بابن خلدون وانتهاءً بطلال أسد مثلًا، فهؤلاء لا يعرفون شيئًا أمام “عظماء اليوم”.
ثم يخرج علينا من يدافع عن الغرب ليحدثك عن أهمية الثقوب السوداء التي اكتشفها أحد كبار المريدين لتلك “الجزيرة”… وكأن الثقوب السوداء أطعمتنا وأشبعتنا وقدّمت حلولًا لمشاكل هذا العالم. نعم، العلم مهم، والثقوب السوداء مدهشة؛ لكن ما علاقة ذلك بالاستعلاء الذي يُلقى علينا كأنه فاتورة حضارة؟
هنا لا يتكلم العلم… يتكلم الكِبر.
لم يهن عليه، وهو الكاره لمفهوم الدين عمومًا، أن تسجّل المنظومة الدينية نقطة في شباك العلم، أو في “الحضارة الغربية” نقطة إضافية لأنها عنده مرادفة للعلم والعلمانية. فلا يرى الأمور إلا من منظار تسجيل النقاط، تمامًا كرجل الدين الذي ينتقده: مباراة طويلة بعنوان “من منا أفضل؟” والاثنان يلعبان في الملعب نفسه وبالقواعد نفسها، وإن اختلفت الأزياء.
العلم… أداة استعلاء
هذا يتهم ذاك بالتخلف والرجعية وأنه العائق الأساسي في طريق التقدم، وهو في الوقت نفسه لم يتقدم خطوة واحدة، رغم انفتاحه وتفتحه واستفتاحه؛ على جميع الأوزان. وذاك يتهم الأول بالكفر وسبب البلوى، وبأنه أداة “المؤامرة الخارجية” التي تريد التدمير.
النتيجة واحدة: ضجيج فوق ضجيج، وخصومة تُطعم الأنا ولا تُطعم العقل. كأن الهدف ليس أن نفهم… بل أن ننتصر.
وبين هذا وذاك يبدأ السيرك الأكبر: كلام في “الإصلاح الديني” وهجوم على الدين، ودفاع عن الدين بشكل أسخف من الهجوم. كأننا لا نعرف كيف نختلف إلا بطريقة تُهيننا جميعًا: من يهاجم يبالغ حتى يفرغ المعنى، ومن يدافع يبالغ حتى يشوّه المعنى.
في النهاية يخرج الدين من الحلقة متسخًا؛ لا لأنه دين، بل لأننا جعلناه مادة للعرض السريع، مثل “ستاند أب” ثقيل الدم… لا يضحك إلا صاحبه.
ثم يأتي “المصلحون الجدد”، وليس في جُعَب إصلاحهم غير “تجديد الخطاب الديني”. وكلما استمعت إليهم تردد في ذهني سؤال واحد: من يتهمون في مسألة الدين؟ الناس؟ الفقراء؟ المساكين؟ أم السلطات؟ طيب ما السلطات معكم. أعظم السلطات في المنطقة تدعم مسألة التجديد، وحتى سلطات القرن العشرين كانت معكم أكثر؛ وكانت تبطش وتقتل وتقمع.
أين المشكلة إذن؟ إذا أنت كتبت كتاب تحاول أن تُفهمنا فيه أنّ الإسلام يُختصر في العدل والإنصاف فقط… طيب لِمَ لا تشرح هذا لداعميك، الذين يقدرون فعلًا أن يحققوا هذا، لا لنا نحن؟ نحن آخر من يملك زر التنفيذ!
ولأن الحشو لا يكتمل إلا بحشوٍ مضاد، تنتشر فيديوهات لا تحتوي على شيء مهم أو علمي، وإنما “مقاربة جذابة” لأمر لطيف ومعروف لدى الجميع. مثل الفيديو الذي يحدّثك عن توم وجيري: أن هذا البرنامج الكرتوني ربّانا على حب الذكاء والمصلحة بدلًا من الرحمة والشفقة.
شو هالحكي بالله؟
يعني طفل يشاهد مطاردة كرتونية صار مشروع فلسفة أخلاقية؟
وصار علينا أن نعيد قراءة طفولتنا بمنهج “المؤامرة التربوية”؟
هذا ليس تحليلًا… هذا حشو بهدف الحشو فقط، مغلف بورقٍ لامع كي يبدو عميقًا.
المتفيقهون… صناعة الدموع الرقمية
أنا لا أعارض المبدأ، ولا أمانع البحث والتحقق. لكن هذا الكلام نفسه غير متسق: شاهدنا أيضًا أبطالًا يدافعون عن الحق وينصرون المظلوم، وشاهدنا حلقات ملأتنا بالرحمة والشفقة وأسالت دموعنا. وفوق ذلك، كتب التراث العربية والإسلامية مليئة بقصص التسلية والنوادر التي تمدح الذكاء وتصور تفوقه على البساطة والسذاجة. فهل سندين التراث أيضًا لأن فيه “نوادر”؟ أم سننتقي ما يخدم الفكرة ونترك ما يهدمها؟ الحكاية ببساطة: نريد فكرة جاهزة، ثم نفتش لها عن أدلة… ولو من كرتون.
ثم يخرج علينا أحد المتفيقهين، وما أكثرهم، يبيع برَّه لوالديه كذبًا بعَرَضٍ من السوشيال ميديا؛ يلعن السوشيال ميديا التي هي سبب وجوده، بل سبب ارتزاقه. يكرهها وهو يتغذّى منها، ويبصق عليها وهو يتوضأ بمائها، ويعلن أنه ضدها من داخلها، ثم يطلب منك أن تثق بـ”نقائه” لأنه يغوص في حديثه أكثر… وهو يمنع نفسه من البكاء: البكاء على “حالة البشرية” الغبية التي صدقته وجعلته من أصحاب الملايين. مشهد كامل: دمعة محبوسة، صوت متهدّج، و”لايكات” تتكاثر… ورسالة عميقة جدًا لدرجة أنها لا تقول شيئًا.
وهؤلاء المتفيقهون يجيبون دائمًا عن كل سؤال، كما لو أن الجميع يجيب عن كل شيء.
لا أحد يقول: لا أدري.
لا أحد يعترف: هذا خارج اختصاصي.
لا أحد يترك مساحة للصمت كي يتنفس المعنى.
أدب الاستهلاك… المعركة الحقيقية
صار الناس يعرفون كل شيء؛ يعني حتى أكثر من النبي عليه الصلاة والسلام، فقد كانت تأتيه أسئلة ليس عنده لها إجابات؛ وهذا طبيعي. وربنا جل في علاه قال: “لا تسألوا عن أشياء إن تُبدَ لكم تسؤكم” يعني بلا أسئلة بلا طعمة، وأسئلة بلا ضرورة، وأسئلة لا تزيد الإنسان إلا تيهًا.
والأبشع من الحشو نفسه أن الناس تريد أن تستهلك الحشو. تريده لأنه خفيف وسريع، يملأ الوقت من غير أن يطلب منك جهدًا، يربت على كسلك ويقول لك: “أنت فهمت.” والحقيقة أنك لم تفهم… أنت فقط امتلأت.
أنا لا أنتقد وسائل التواصل بذاتها، ولا ألوم الشاشة، ولا ألعن التقنية. ولست ممن يهاجم “الحتميات” ليعتاش على الهجوم؛ فمصارعة الحتميات كثيرًا ما تشبه أحلام دونكيشوت في مصارعة طواحين الهواء. لكنني أبحث عن شيء أبسط وأصعب في الوقت نفسه: الأدب. أدب التعامل مع الواقع، وأدب الأولويات، وأدب الفهم والفقه، وأدب البحث، وأدب الاختلاف مع الآخر- لا بالشعارات بل بالفعل. وعلى رأس هذه الآداب: أدب الاستهلاك؛ الاستهلاك جيد إذا التزم حدود الأدب.
أنا أنتقد هذا الجوع الغريب الذي صار عندنا: أن نستهلك الكلام لأنه كلام، وأن نطلب الضجيج لأن الصمت صار ثقيلًا، وأن نخلط المعرفة بالثرثرة، والحكمة بالعرض، واليقين بالنبرة الهادئة.
زمن الحشو ليس زمن المنصات فقط… إنه زمننا نحن، حين نقبل أن نستبدل المعنى بالامتلاء.

