تحميل

إبحث

في الصميم

لبنان… وهم التوازن وحقيقة الدولة الغائبة

Lebanon map
Cracked cup of light and shadows
  • ينشر المقال في جريدة “البوست” بالتوازي مع نشره في جريدة “النهار” اللبنانية

يروي أحد الفلاسفة المعاصرين حكاية تبدو للوهلة الأولى عابرة. رجل يدخل مقهى ويطلب فنجان قهوة بلا كريمة. يعتذر النادل ويقول إن الكريمة غير متوافرة، ويسأله إن كان يقبلها بلا حليب. يتوقف الرجل لحظة. القهوة في الحالتين سوداء، لكن شيئًا ما تغيّر. القهوة بلا كريمة ليست هي نفسها القهوة بلا حليب. الغياب ليس محايدًا؛ ما نعتقد أننا أزلناه يترك أثرًا مختلفًا بحسب ما هو الغائب

في السياسة كثيرًا ما نفعل الشيء نفسه. نزيل عنصرًا من المشهد ونظن أن المشكلة انتهت: نُخرج اسمًا أو قوة أو “فائضًا” بعينه، ونفترض أن البنية ستستقيم تلقائيًا. لكن ما لا نلتفت إليه هو أن البنية نفسها قد تكون قادرة على إعادة إنتاج المشكلة بأسماء أخرى وبخطابات أكثر تهذيبًا، لأن الخلل لا يكون دائمًا في ما نراه ظاهرًا، بل في الشروط التي سمحت له بالظهور أصلًا.
بهذا المعنى يمكن قراءة خطاب السياسي اللبناني والنائب السابق فارس سعيد بوصفه محاولة جادّة وواعية لإخراج لبنان من دائرة الصدام والانهيار. هو خطاب هادئ، تصالحي، يخاطب الخوف العميق من الفراغ، ويقدّم نفسه كبديل عن منطق الغلبة والتطرّف. لكنه، في الوقت نفسه، يعالج ما يريد استبعاده أكثر مما يعالج الشروط البنيوية التي أعادت إنتاجه مرارًا. إنه خطاب أخلاقي–ثقافي في جوهره، قبل أن يكون تفكيرًا بنيويًا في الدولة.

في سرديته، التاريخ اللبناني الحديث سلسلة تجارب لطوائف امتلكت، كلٌّ في زمنها، ادعاءً خاصًا بالسلطة أو بالدور: المارونية السياسية التي رأت نفسها مؤسِّسة الدولة، ثم الحريرية الاقتصادية التي راهنت على المال وإعادة الإعمار، ثم الشيعية “المقاومة” التي قدّمت نفسها كحامية الكيان في مواجهة الخارج. كل تجربة، بحسب هذا الخطاب، حملت فائضًا ما—فائض تمثيل، فائض مال، فائض قوة—وانتهت إلى مأزق وطني.
ومن هذه القراءة يصل فارس سعيد إلى خلاصة مركزية: لا يمكن لأي طائفة أن تحكم لبنان أو أن تدّعي تمثيل الدولة. الحل، إذًا، ليس في استبدال فائض بفائض، بل في أن تتواضع الطوائف جميعًا، وأن تعترف بحدودها، وأن تقبل بإدارة البلد بمنطق التوازن لا بمنطق الغلبة. هذا التواضع، في نظره، ليس ضعفًا بل شرط بقاء.

الدولة لا تنمو طبيعيًا مع الزمن إذا لم تُحسم أسئلة السلطة. من يملك الكلمة الأخيرة؟ من يخضع لمن؟ هذه الأسئلة لا يمكن تأجيلها، لأن التأجيل نفسه قد يتحوّل إلى نظام حكم

الدعوة هنا تحمل نية تصالحية واضحة. فارس سعيد يعرف أن المجتمع اللبناني متعدّد، وأن محاولة صهر هذا التعدّد في نموذج واحد—على الطريقة الأوروبية التي تجعل الدولة معيارًا ثقافيًا يفرض تشابهًا قسريًا على المختلفين—ليست ممكنة ولا مرغوبة. هو يرفض منطق “تفريس” الآخر، ويرى أن لبنان يقدّم نموذجًا مختلفًا للعيش المشترك: نموذجًا لا يطلب من الجماعات أن تتخلّى عن خصوصياتها، بل أن تعيشها جنبًا إلى جنب، تحت سقف دولة قوية تحمي الجميع من دون أن تذيب أحدًا.

وهنا يجدر تثبيت نقطة غالبًا ما تُفهم خطأ في النقاش اللبناني. الدفاع عن الدولة لا يمرّ بالضرورة عبر محو الجماعات. أنا لا أنطلق من خيال “مجتمع مدني” يريد القفز فوق الطوائف دفعة واحدة، ولا أرى في الطائفية الاجتماعية مجرّد عيب ينبغي استئصاله. في بلد مركّب مثل لبنان، للطوائف حقّ في الحفاظ على خصوصياتها وذاكرتها وشبكاتها الاجتماعية بوصفها تقاليد حيّة غير مكتوبة لا يمكن شطبها بمرسوم.

لكن الاعتراف بالطوائف كجماعات اجتماعية لا يعني تثبيتها كحصص سياسية أبدية. ما أطمح إليه هو نقل الطائفية من كونها “ضمانة سياسية مسبقة” إلى كونها “خصوصية محميّة داخل دولة مرجعية”. أي تطوير الطائفية السياسية بحيث تصبح خاضعة لقواعد قانونية وديمقراطية تُنتج تداولًا وفتحًا للمقاعد، لا إعادة إنتاج دائمة للنتائج نفسها. بهذا المعنى أقف في المسافة بين الطائفية التقليدية وبين خطاب يريد إلغاءها، لا تمجيدًا للنظام القائم، بل بحثًا عن صيغة تُبقي الجماعات حيّة من دون أن تُبقي الدولة رهينة لها.

لكن هنا بالضبط تبدأ الإشكالية.

فعندما تُختزل الأزمة في “فائض” هنا أو “ادعاء” هناك، تتحوّل السياسة إلى مسألة أخلاق جماعية: الطوائف لم تتعلّم التواضع بعد، أو لم تستوعب دروس التاريخ. والحل يصبح دعوة الجميع إلى خفض السقف، والقبول بالحد الأدنى، وانتظار أن “تنضج” الظروف.

غير أن التجربة اللبنانية نفسها تطرح سؤالًا مزعجًا: لماذا يعود الادعاء دائمًا؟ لماذا كل طائفة، حين تشعر أن ميزان القوى يميل لصالحها، تعود لتقديم نفسها كحامية الدولة أو ممثلتها أو ضامن استقرارها؟ هل لأن اللبنانيين لا يتعلّمون من التاريخ؟ أم لأن النظام نفسه يسمح—بل يشجّع—هذا السلوك؟

لو كانت المشكلة أخلاقية فقط، لكان التواضع كافيًا. لكن التواضع، حين يحصل، يكون مؤقتًا ومشروطًا بلحظة ضعف لا بقاعدة دائمة. ما إن تتغيّر الظروف حتى يعود الادعاء بصيغة جديدة. وهذا يعني أن الخلل أعمق من سلوك الطوائف أو من سوء الإدارة وحده؛ إنه في بنية لا تمنع الادعاء، بل تنظّمه وتعيد تدويره.

lebanon_identity_structure
اللاحتمية السياسية… شرط قيام الدولة

في هذا الموضع لا بد من تثبيت مسألة جوهرية: نقد البنية لا يعني تمييعًا لمسألة السلاح خارج الدولة، ولا يجوز أن يتحوّل إلى ذريعة لتأجيلها. على العكس، أتقاطع بالكامل مع فارس سعيد في المبدأ المؤسِّس: لا دولة من دون احتكار شرعي للقوة، ولا سيادة في ظل سلاح خارج إطار المؤسسات، أيًّا تكن الجهة التي تحمله—حزبًا كانت أو طائفة أو تنظيمًا عقائديًا.

سحب السلاح من أي جهة خارج الدولة ليس مطلبًا سياسيًا ظرفيًا ولا ورقة تفاوضية، بل شرط وجودي لأي مشروع دولتي. الدولة التي تقبل بتعدّد مراكز القوة تتحوّل تلقائيًا إلى مساحة توازنات لا إلى مرجعية، وإلى إدارة نزاعات لا إلى سلطة قانون. ومن هذه الزاوية تحديدًا، فإن أي محاولة لفتح نقاش دستوري أو بنيوي في ظل سلاح خارج الدولة هي، بحكم التجربة اللبنانية، وصفة شبه مضمونة لإعادة إنتاج فائض القوة لا لمعالجته. نزع السلاح ليس نتيجة الإصلاح، بل شرطه المسبق.

في هذا السياق يصبح التمسّك باتفاق الطائف والدستور، كما يفعل فارس سعيد، موقفًا سياديًا مفهومًا في مواجهة السلاح خارج الدولة. فعندما يُستخدم السلاح للضغط السياسي يتحوّل الدستور إلى خط دفاع لا إلى مادة نقاش. ومن هنا يمكن فهم الخشية العميقة من أن يُستَخدم أي حديث عن “تغيير النظام” كغطاء للهروب من استحقاق نزع السلاح.

لكن الإشكالية تبدأ حين يتحوّل هذا الدفاع المشروع إلى تأجيل مفتوح لسؤال الدولة نفسها. فالفصل الصارم بين “مرحلة السلاح” و“مرحلة الشغل السياسي” يفترض أن النظام القائم قادر تلقائيًا على إنتاج دولة بعد زوال فائض القوة. والتجربة اللبنانية لا تؤكّد هذا الافتراض. إذ ما من فائض قوة ظهر في لبنان إلا ووجد في بنية النظام ما يسمح له بالترسّخ والتمدّد، لا لأن النص يريده بالضرورة، بل لأن آليات الحكم نفسها لا تُنتج مرجعية نهائية تحسم النزاع لصالح الدولة. لذلك لا يعود السؤال: هل نتمسّك بالطائف في وجه السلاح؟ بل: كيف نمنع أن يتحوّل هذا التمسّك، بمرور الوقت، إلى إدارة دائمة للبلد بمنطق التعليق والانتظار، حيث يصبح “ليس الآن” صيغة حكم لا مرحلة عابرة؟
هنا يظهر عمودٌ آخر في خطاب فارس سعيد: الدفاع عن اتفاق الطائف بوصفه أنقى صيغة عرفها لبنان لتنظيم العيش المشترك. الطائف، في هذا المنطق، ليس مجرد نص دستوري، بل عقد تاريخي أخذ في الاعتبار هواجس الطوائف وحقوق الأفراد معًا. وأي محاولة لفتح هذا العقد في لحظة إقليمية مضطربة تُعد مغامرة غير محسوبة قد تعيد البلاد إلى العنف.

لذلك يكثر في خطابه استخدام استعارة “المرحلة الانتقالية”. نحن، بحسبه، في مرحلة طويلة وخطرة لا تحتمل العبث بالدستور أو إعادة النظر في النظام. لبنان لم يعرف دولة فعلية منذ خمسين عامًا، ومن غير الواقعي مطالبته اليوم بإصلاحات بنيوية عميقة. المطلوب أولًا أن تقوم الدولة، أن تقوى مؤسساتها، أن يستعيد الناس ثقتهم بها، وبعد عشرين أو ثلاثين سنة يمكن فتح النقاش الكبير.

قد يبدو هذا الطرح عقلانيًا، لكنه يخفي تناقضًا جوهريًا. الدولة ليست كائنًا ينمو طبيعيًا مع الزمن. الدولة، في معناها السياسي، علاقة مرجعية: من يقرّر؟ من يملك الكلمة الأخيرة؟ من يخضع لمن؟ هذه الأسئلة لا يمكن تأجيلها من دون أن يتحوّل التأجيل نفسه إلى نظام حكم. حين نقول “ليس الآن” نكون قد قبلنا عمليًا بأن تُدار البلاد بالقواعد نفسها لعقود إضافية.

وإلى جانب هذا البعد الداخلي، يضع فارس سعيد لبنان في إطار عربي أوسع. هو واضح في هذا الموقف: لبنان لا يمكنه العيش خارج محيطه العربي، ولا يمكنه الرهان على عزلة أو حياد وهمي. المنطقة، في نظره، تدخل مرحلة جديدة تتراجع فيها الحروب الإيديولوجية لصالح ما يسمّيه “نظام مصلحة عربي”، يقوم على التنمية والاستقرار وتبادل المنافع.

في هذا الإطار يرى أن للبنان دورًا أساسيًا، لا كدولة مواجهة ولا كساحة صراع، بل كمساحة تفاعل وكمنصة ثقافية وسياسية قادرة على وصل المشرق العربي بالعالم الأوسع. العروبة هنا ليست شعارًا، بل إطار مصلحة وحماية، ولا سيما حماية المسيحيين من التحوّل إلى أقلية خائفة في محيط متحوّل.

هذا الطرح يستحق التوقّف عنده بجدّية. فالتعاون مع العرب ليس خيارًا ثانويًا، بل شرطًا واقعيًا لبقاء لبنان. لكن من الضروري التمييز بين الفضاء العربي كإطار علاقات، وبين العروبة كهويّة جامعة. لبنان لا يدخل أي فضاء إقليمي ليُعرّف نفسه هويّاتيًا، ولا ليبحث عن حماية لطائفة دون أخرى، بل ليعمل كدولة تفاوض مصالحها من موقع مرجعي واضح.
لكن السؤال الجوهري يبقى: أي لبنان يدخل هذا النظام العربي؟ وأي دولة تمثّله؟ هل يدخل لبنان كنظام توازنات داخلية هشّة يُدار بمنطق منع الانفجار وتأجيل الأسئلة؟ أم يدخل كدولة مرجعية قادرة على اتخاذ قرار، وعلى تحمّل تبعاته، وعلى التفاوض باسم مجتمع سياسي يعرف ما يريد؟
لا يوجد “نظام مصلحة”—عربيًا كان أم غير عربي—قادر على منح دولة شرعية لم تُنتج في داخلها. المصالح تُدار بين دول، لا بين توازنات. والتكامل الإقليمي يفترض كيانات سياسية تعرف كيف تربح وكيف تخسر داخل قواعد واضحة، لا كيانات تخشى فتح أسئلتها الداخلية لأن فتحها يهدّد وجودها.

لبنان لا يحتاج إلى هوية عربية تحمي طوائفه، بل إلى دولة قادرة على الدخول في فضاء عربي قائم على المصالح من دون أن تتحوّل كل علاقة خارجية إلى أزمة داخلية. وحدها دولة تقبل باللاحتمية السياسية داخليًا تستطيع أن تدخل فضاءً إقليميًا من دون أن تحوّل كل خسارة خارجية إلى تهديد وجودي داخلي.

ثم يأتي رهان فارس سعيد على الاستقرار المادي. حين تؤمّن الدولة مدارس ومستشفيات ورواتب وفرص عمل، يقول، لن يعود المواطن إلى طائفته طلبًا للحماية. هذا صحيح جزئيًا، لكنه غير كافٍ. في لبنان، لم تكن الطائفة يومًا مجرّد بديل خدماتي. خلال الحرب، قدّمت الميليشيات الأمن والخدمات، لكنها في الوقت نفسه أعادت إنتاج الولاء والسلطة. وحتى في مراحل “الازدهار”، حين توفّرت الخدمات نسبيًا، لم تتحوّل الدولة إلى مرجعية سياسية نهائية، لأن المشكلة لم تكن في مستوى الأداء فقط، بل في معنى الدولة نفسها.

وما يغيب عن هذا الخطاب كله هو مفهوم اللاحتمية السياسية. اللاحتمية لا تعني الفوضى، بل تعني أن النتائج غير مضمونة سلفًا. أن لا أحد يملك موقعه إلى الأبد. في دولة حديثة، يخسر حزب انتخابات فيقبل بالنتيجة لأنه يعلم أن الدولة ستبقى مرجعه غدًا.

لفهم اللاحتمية بوصفها مصدر قوة لا ضعف، يكفي النظر إلى تجربة ديمقراطية كبرى كالولايات المتحدة. عظمتها ليست في أخلاق نخبها، بل في حقيقة بنيوية بسيطة: لا أحد يستطيع ضمان موقعه السياسي إلى الأبد. الخسارة هناك لا تُترجم إلى خوف وجودي، لأن الدولة مرجعية أعلى من الصراع.

الدرس ليس في “استنساخ” النموذج ولا في تجاهل اختلاف السياقات، بل في المبدأ: عظمة أي نظام لا تكمن في ضمان النتائج، بل في قبول عدم ضمانها. في أن أقوى الفاعلين السياسيين يتحركون وهم يعلمون أن الدولة لن تكون لهم وحدهم، وأن الغد قد لا يشبه اليوم، ومع ذلك تستمر المؤسسات في العمل.

في لبنان، العكس هو السائد. الخسارة السياسية تُستقبل كتهديد وجودي، لأن الدولة لم تصبح مرجعية أعلى من الجماعات. وحين تُلغى اللاحتمية، يصبح كل استحقاق معركة مصير، وكل انتقال مدخلًا إلى فائض قوة جديد.

من هنا يمكن القول إن خطاب فارس سعيد يقدّم قراءة صادقة تسعى إلى حماية الكيان من الانهيار، لكنه يراهن على تهذيب النظام بدل مساءلته، وعلى أخلاق الطوائف بدل قواعد الدولة، وعلى الزمن بدل القرار، وعلى الاستقرار بدل اللاحتمية.

من دون إنتاج دولة مرجعية تقبل باللاحتمية السياسية، سيبقى “الطائف” آلية تعليق دائمة للسياسة، لا عقدًا حيًا قابلًا للتجدد. والسؤال الذي لا يمكن تأجيله إلى ما لا نهاية هو: كيف نُنتج دولة لا تملكها أي طائفة، ولا تحتاج أي طائفة أن تهرب منها؟ من دون هذا السؤال، سنبقى نغيّر ما في الفنجان، ونكتشف في كل مرة أن الطعم لم يتغيّر، لأن المشكلة لم تكن في الكريمة ولا في الحليب، بل في الفنجان نفسه.
al-Post
دكتور محاضر
رئيس قسم اللغات غير اللاتينية في جامعة يال الأميركية
العلامات

يعجبك ايضاً

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا