تكشف مصادر عقارية مطّلعة ل”البوست” أن صيداويين شيّدوا، خلال السنوات 18 الماضية، أكثر من 250 فيلّا، يقع معظمها في مناطق خارج النطاق الجغرافي لمدينة صيدا. وباحتساب كلفة وسطية تقارب مليون دولار للفيلّا الواحدة، تشمل ثمن الأرض وأعمال البناء والتجهيز، يتبيّن أن حجم الأموال التي أنفقها صيداويون على هذه المشاريع الخاصة يتجاوز ربع مليار دولار. هذه الأرقام تفتح بابًا واسعًا للنقاش حول أولويات أصحاب الرساميل في المدينة. ففي الوقت الذي تدفقت فيه مئات ملايين الدولارات إلى مشاريع فردية وعائلية خارج صيدا، لم يُخصَّص، من قِبل معظم هؤلاء، حتى جزء بسيط من هذه الأموال لتنمية المدينة أو دعم بنيتها التحتية أو إنشاء مشاريع إنتاجية تخلق فرص عمل لأبنائها. ليست المشكلة في حق أي شخص في بناء منزل أو استثمار أمواله حيث يشاء، بل في المفارقة الصارخة بين حجم الثروات التي خرجت من صيدا وحجم الاستثمار الذي عاد إليها. فلو وُجّه عُشر هذا المبلغ فقط إلى مشاريع إنمائية واقتصادية داخل المدينة، لكان كافيًا لإحداث تحوّل حقيقي في قطاعات حيوية، من فرص العمل إلى التعليم والصحة والبنية التحتية. ربع مليار دولار بُنيت بها فيلات لأناس عاديين، فيما بقيت صيدا تبحث عمّن يبني لها مشروعًا واحدًا منتجا.
يعيش أهالي بلدة الهلالية، شرق صيدا، منذ فترة تداعيات «ترويكا المصالح» الذي قام بين رئيس بلدية البلدة وعدد من تجّار العقارات، إضافةً إلى بعض أصحاب المولّدات الخاصة العاملين ضمن نطاقها. فبحسب معلومات حصلت عليها «البوست» من مصادر محلية متقاطعة، يقوم بعض المطوّرين العقاريين بدفع مبالغ مالية بصورة علنية للبلدية، تحت عناوين دعم المجلس البلدي والموظفين، وهو ما يعتبره كثيرون مخالفةً قانونيةً واضحة و«رشوةً مقنَّعة». فكيف يمكن لموظف بلدي أن يُسطّر مخالفة بناء بحق تاجر جشع، فيما يتقاضى منه نحو 200 دولار شهريًّا؟ في المقابل، يتحدّث عارفون عن مخالفات كثيرة تُسجَّل بحق هؤلاء التجّار، قبل أن يجري تجاوزها بقرار من الرئيس، قافزًا فوق المجلس وآراء القانونيين وأهل الاختصاص. كذلك الأمر بالنسبة إلى محميّات أصحاب المولّدات، وتقاسم المناطق، والتحكّم برقاب الناس، واحتكار الخدمات. وفي سياق متصل، تؤكّد مصادر مطّلعة أن رئيس البلدية، ميشال أبو زيد، قد جرى استدعاؤه للتحقيق أمام القضاء منذ أيام، على خلفية عدد من قضايا الفساد والمخالفات الجمّة. قد يكون بعض المشتبه بهم من أصحاب المولّدات وتجّار العقارات قد ظنّوا أن «تزبيط» الرئيس كفيل بفتح أبواب المنفعة والتجاوزات، لكن التجارب لطالما بيّنت أن المخالفات، مهما حمتها دولة الفساد العميقة، ستظهر لاحقًا لتؤذي مرتكبيها، ولو بعد حين.
ليس في “الكلام المبتور” الذي قالته النائب السابقة بهية الحريري ما يستدعي التضامن معها بوصفه دفاعًا عن شخصها، ولا الاصطفاف خلفها بوصفها ممثلةً لقوة سياسية. فالمسألة أبعد من ذلك. إنها لحظة حقيقة كشفتهم كما “هم”، وأسقطت كل محاولات التجميل والنفاق والتكاذب، وكل الكلام المستهلك عن البيوت المفتوحة، والتضامن الأخوي، ومواجهة العدو، والتكاتف والتعاضد. “هم” هكذا؛ كانوا، وسيبقون، مهما حاول الآخرون مدّ الجسور إليهم، ومهما قُدّمت لهم التنازلات والتضحيات. لم تقدّم بهية الحريري بيوتًا ومدارس ودعمًا وتعاونًا فحسب، بل قدّمت أغلى ما لديها، “دم شقيقها”، ومع ذلك، لم تسلم من حملات التخوين والتحريض واستباحة الكرامات. نعم، إنهم يريدون صيدا فندقًا ليليًّا، وماخورًا بحريًّا، ومعبرًا للحلويات، وأسواقًا شعبية رخيصة، ومكبًّا للنفايات، وواجهة بحرية مستباحة للنراجيل والوشوم. وإذا لم تُسلَّم لهم المدينة كما يريدون، يصبح “الآخر”، في خطابهم، شريكًا في دم المظلومين، وعدوًّا للمحرومين، ومتآمرًا على المقاومة. قالت بهية الحريري ما تقوله أغلبية مَن عاصروهم وعايشوهم واختبروهم. ومن هنا، فإن الدفاع عنها في وجه التحريض على دمها ليس دفاعًا عن شخص، ولا عن تيار، ولا عن قوة سياسية قد نختلف معها أكثر مما نتفق، بل هو دفاع عن أنفسنا، وعن حقنا في قول ما نراه من دون تهديد أو ترهيب أو استباحة. إن الوقوف في وجه «التشبيح» و«الهوبرة» ليس ترفًا سياسيًّا، بل واجب أخلاقي ووطني، قبل أن يمتد “الوباء الأصفر” إلى ما تبقّى من وجود وكرامة وحرية في هذه المدينة المتآكلة…