ليس سرًّا في بلدٍ كلبنان وجودُ صراعٍ بين أجهزتِه الأمنيّة على الصورةِ والخبرِ والصدارةِ والإنجازات والتسريبات. وليس سرًّا أنّ كلَّ جهازٍ له مربِضُه وانتماؤه وتبعيّتُه السياسيّة والمذهبيّة. هذا هو لبنانُنا الذي نعيشه، ونطمح جميعًا أن يكون أفضلَ لنا ولمستقبلِ أبنائنا. الطريقةُ والأسلوبُ اللذان اعتمدهما جهازُ أمنِ الدولة في تعاطيه مع ملفِّ فسادٍ واختلاسٍ في بلديّة صيدا، والتي انحصرت تحقيقاتُه حتى الآن بموظّفةٍ واحدةٍ ومبلغٍ لا يتعدّى عشرةَ آلافِ دولار، يُظهران أنّ هناك من يسعى إلى الإضرار بالمدينة وسمعتها ووضعها في مواجهةٍ تتعاظم مع جهازٍ محسوبٍ على رئيس الجمهوريّة والعهد. أمرٌ لا تريده صيدا، وحكمًا لا يسعى إليه جوزيف عون، لكنّ «سعدنات دود الخل» تبدو مستمرّةً بأفقٍ ضيّقٍ وحساباتِ «الخِفاف» التي سترتدّ عليهم لاحقًا. فالكلام، وإنْ لا يزال همسًا الآن، لكنّه يكبر في الغرف وبين الناس، عن أبعاد مناطقية ومذهبية لما يجري، حتى ولو ابتلعت ألسنُ السياسيّين والنوّاب والقوى الفاعلة الآن، خوفًا وطمعًا واحتسابًا، فإنّ ذلك لن يستمرّ إلى ما لا نهاية. مصطفى حجازي، وحازم بديع، وحسن شمس الدين، ولاحقًا محمد السعودي، أو حتى زهرة الدرزي وغيرهم من موظّفي البلديّة، لا يمثّلون أنفسهم فحسب على كراسيّ التحقيق في أروقة السراي، إنّهم يمثّلون سلطةً تنفيذيّةً منتخبةً ومدينةً قالت كلمتها لهم. فلتُعلَّقِ المشانقُ للمختلسين، ولتُقطعْ يدُ السارقين، وليُسجَنِ المتورّطون. لا أحدَ في واردِ أن يُغطّي مرتكبًا أو يدافعَ عن مخالف، لكن ليتمّ ذلك وفق القوانين والأنظمة وبشفافيّةٍ تحفظ الكرامات وتصون الحقوق الإنسانيّة. أمّا أن يتمّ توقيفُ رئيسِ بلديّةٍ لأكثر من 7 ساعات، ويكون التحقيقُ معه فقط لمدة 20 دقيقة، فذلك أمرٌ مستغرَبٌ يؤسّس لمشكلاتٍ قد تنفجر في وجه الجميع لاحقًا، ولن تكون تداعياتُها كقضيّة المسرحيّ زياد عيتاني التي لم تُنسَ بعد. فلنتّعظْ من الماضي كي نؤسّسَ للمستقبل، لأنّ صيدا وإن بدت “حيطها واطي”، فإنّ أهلها قد يفاجئونك على حينِ غفلةٍ بما لم يكن في حسبانِ أحد.
اعتادت قراءة “موسم الهجرة إلى الشمال” للطيب صالح أن تُدرِج الرواية ضمن سردية تاريخية واسعة، تُقدَّم فيها بوصفها نصًّا عن لقاءٍ مضطربٍ بين الشرق والغرب، وعن تجربةٍ استعماريةٍ تنتقل آثارها من السيطرة على الأرض إلى تشكيل الوعي واللغة في هذا السياق، تُفهَم شخصية مصطفى سعيد باعتبارها ثمرة مسارٍ طويلٍ من الهيمنة المعرفية، حيث تتحول المعرفة إلى أداة عبور، وتغدو اللغة وسيلةً لإعادة ترتيب الذات داخل عالمٍ جديد. وبطريقةٍ موازية، جرى استقبال المحاكمة لفرانتس كافكا بوصفها نصًّا يكشف الوجه الداخلي للحداثة الأوروبية، عالمًا تحكمه القوانين والإجراءات، وتعمل فيه المؤسسات بوصفها منظوماتٍ دقيقةً لإدارة الأفراد وتنظيم حركتهم في الزمن والمكان. هذان المساران رسّخا تصورًا لعالمين متمايزين، أحدهما مشدودٌ إلى تاريخ الاستعمار، والآخر متجذّرٌ في بنية الحداثة. غير أن القراءة المتأنية للروايتين، كلٌّ في مسارها ثم في توازيهما، تكشف عن منطقٍ أعمق يتعلّق بكيفية إنتاج الذوات وتنظيمها داخل أنظمة اللغة والمعرفة والقانون. حين يكتمل الاعتراف، قد يتحول إلى القيد الأكثر إحكامًا التمكّن من الأدوات يظهر مصطفى سعيد منذ بدايات موسم الهجرة إلى الشمال بوصفه شخصيةً متمكّنةً من أدواتها. اللغة حاضرةٌ لديه بوصفها وسيلةً جاهزةً للتفكير والتواصل، والمعرفة تتراكم كرصيدٍ ثقافيٍّ راسخ. حضوره في الفضاء الأوروبي يتّسم بسلاسةٍ واضحة؛ الجامعات والدوائر الثقافية تأخذ شكل أماكن مألوفة، يمكن الدخول إليها والخروج منها بثقة، ويمكن التحدّث داخلها دون ارتباك. هذا التمكّن يفتح أمامه مسارًا متصاعدًا من الاعتراف، ويحوّل إنجازاته الأكاديمية والاجتماعية إلى علاماتٍ تُقرأ بوصفها دلائل نجاح. ومع تكرار هذا الاعتراف، تستقر صورةٌ محددةٌ عن من يكون مصطفى سعيد، صورةٌ لا تُفرَض بقرارٍ خارجي، بل تتكوّن عبر التكرار، وتتحول تدريجيًا إلى مرجعٍ يُقاس عليه كل فعلٍ لاحق. في علاقاته العاطفية، تتكثّف هذه العملية وتكتسب طابعًا أكثر حميميةً وتعقيدًا. العلاقة لا تبدأ من فراغ، بل تتشكّل داخل شبكةٍ من المعاني التي تسبق اللقاء نفسه. انجذاب النساء إلى مصطفى يرتبط بالسرديات التي يحملها، وبالصور التي يستدعيها حضوره، وبالقصص التي يمكن أن تُقال عنه ومن خلاله. الحديث عن الصحراء، وعن النيل، وعن التاريخ والعنف، لا يظهر بوصفه استطرادًا عرضيًا، بل يصبح جزءًا من نسيج العلاقة، ومن طريقتها في الاستمرار. ومع كل سردٍ جديد، تتماسك الصورة أكثر، وتستقر الذات داخل الإطار الذي بات يعرّفها. العاطفة تتحرك هنا ضمن مسارٍ يمنح الاتساق قيمةً مركزية، ويجعل الاستمرارية شرطًا للاعتراف. مع مرور الوقت، يتحول الأداء المتقن إلى عنصرٍ أساسي في تعريف الذات. الاعتراف يتجه نحو ما يمكن تثبيته وإعادة إنتاجه بوصفه علامةً واضحة. حين يقول مصطفى سعيد «أنا كذبة»، تأتي العبارة كتعبيرٍ عن إدراكٍ متأخرٍ لطبيعة هذا المسار. الكذبة هنا لا تتصل بتزييفٍ متعمّد، بل باكتمال السرد ذاته، وبتحوّله إلى حقيقةٍ مغلقة تستنفد إمكانات ما يتجاوزها، وتترك الذات محاصرةً داخل صورتها الناجحة. إيقاع وروتين في المحاكمة، يتحرك جوزف ك. داخل عالمٍ تتسم حياته اليومية فيه بالانتظام. العمل يسير وفق إيقاعٍ معروف، والروتين يمنح الأيام شكلًا متشابهًا. يأتي الاعتقال بوصفه إجراءً إداريًا يدخل سريعًا في صلب هذا الإيقاع، ويُعاد تنظيم الحياة من حوله دون قطيعةٍ ظاهرة. المكاتب تمتدّ، والموظفون يؤدّون أدوارهم بدقةٍ هادئة. كل شيءٍ يوحي بأن النظام يعمل، وأن الحركة مستمرة، وأن الإجراءات تعرف طريقها. في هذا السياق، تكتسب العبارة التي يقولها المفتش لجوزف ك. في لحظة الاعتقال الأولى دلالةً مفصلية: يُقال له إنه موقوف، وإن هذا الإجراء لا يمنعه من متابعة حياته العادية، ولا من الذهاب إلى عمله، ولا من الاستمرار في شؤونه اليومية. هذه الجملة، التي تبدو للوهلة الأولى مطمئنة، تكشف عن منطقٍ حداثيٍّ بالغ الدقة. فالاعتقال هنا لا يُمارَس بوصفه قطعًا مع الحياة، بل بوصفه إعادة إدراجٍ لها داخل أفقٍ قانونيٍّ جديد. لا تُشلّ الحركة، ولا يُعلَّق الزمن، بل تُحمَّل الحياة نفسها بحالةٍ غير مرئية ترافقها في كل تفصيل. جوزف ك. لا يُستبعَد من النظام، بل يُدمَج فيه إدماجًا أعمق؛ تصبح حياته اليومية امتدادًا للإجراء، ويغدو العمل، والتنقّل، والاستمرار ذاته جزءًا من المحاكمة المفتوحة. بهذا المعنى، لا تحتاج السلطة إلى السجن كي تكون فاعلة، ولا إلى المنع كي تُحكم سيطرتها. يكفي أن تُسمّي الحالة، وأن تتركها تعمل داخل الزمن العادي للحياة، حيث يتحول الاستمرار نفسه إلى شكلٍ من أشكال الخضوع الهادئ. الفضاءات تضيق ومع انتقال جوزف ك. بين المحاكم الفرعية، تتكشف طبيعة هذا النظام على نحوٍ أعمق. الفضاءات تضيق تدريجيًا، والوثائق تتراكم دون أن تؤدي إلى حسم، واللقاءات تتكرر داخل بنيةٍ إجرائيةٍ ثابتة. فالحضور يتحول إلى التزامٍ دائم، والزمن يُعاد تنظيمه وفق منطق القضية المفتوحة. الذات لا تُقصى من النظام، بل تُدمَج داخله، وتُعاد صياغة علاقتها بنفسها من خلال الاستمرار في الإجراء ذاته. هذا المسار لا ينتج انهيارًا فجائيًا، بل يراكم إنهاكًا بطيئًا ومتدرّجًا. الفهم هنا لا يعمل كطريقٍ للخروج، بل يتحول إلى جزءٍ من الآلة نفسها. كل محاولةٍ لتفسير ما يحدث تفضي إلى مزيدٍ من التورّط في شبكة الإجراءات، وكأن المعنى يُستخدم لإطالة أمد العملية لا لإنهائها. النظام يرسّخ فعاليته عبر الحركة المستمرة، عبر تأجيل الحسم، وعبر إبقاء الذات في حالة استعدادٍ دائم. وحين تنتهي الرواية بموت جوزف ك.، يبدو المشهد أقرب إلى إغلاق ملفٍّ استُنفدت أغراضه، منه إلى لحظة عقابٍ أخلاقي. الموت هنا لا يأتي بوصفه ذروةً درامية، بل كخاتمةٍ إجرائيةٍ لمسارٍ طال أمده حتى استهلك صاحبه. عند النظر إلى مصيري مصطفى سعيد وجوزف ك. معًا، تتكشف بنيةٌ مشتركةٌ تتجاوز الفروق السياقية والتاريخية. أحدهما يتحرك داخل صورةٍ ناجحةٍ تزداد إحكامًا مع الزمن، والآخر داخل قضيةٍ مفتوحةٍ تمتد بلا خاتمة. في كلا المسارين، تعمل أنظمة الفهم والتصنيف على إنتاج ذاتٍ قابلةٍ للإدارة، سواء عبر تثبيت المعنى وإغلاقه، أو عبر تعليقه وإطالة أمده. في هذه النقطة تحديدًا، يمكن القول إن فائض الوضوح والغموض المستدام يؤديان وظيفةً متقاربةً في تنظيم العلاقة بين الذات والنظام. تكتسب هذه الفكرة وزنًا إضافيًا عند العودة إلى محاكمة مصطفى سعيد العلنية. فالقاعة مفتوحة، والسرد القانوني يتقدّم بثبات، والشهادات تُروى ضمن إطارٍ متماسكٍ يربط التفاصيل بعضها ببعض. مصطفى يُقدَّم بوصفه حالةً مكتملة العناصر، يمكن فهمها ثم إغلاقها داخل روايةٍ رسميةٍ نهائية. اللغة تؤدي دورها بكفاءة، والقانون يعمل بانسجام. بعد انتهاء المحاكمة، تبقى الذات محصورةً فيما تم تثبيته داخل السجلّ، وقد استُنفدت إمكاناتها داخل منطق الشرح. في المقابل، يستمر جوزف ك. داخل حركةٍ لا تنتج سرديةً مكتملة، حيث يعمل الغموض كعنصرٍ بنيوي في تنظيم العلاقة بين الفرد والإجراء. وبين الاكتمال السردي في حالة مصطفى، والتعليق الإجرائي في حالة جوزف، تتشكّل صورة نظامٍ رمزيٍّ يستخدم تقنياتٍ متعددةً لإدراج الذوات وتنظيمها، دون أن يتيح لها موقعًا خارج الدور المحدد لها. ما تكشفه الروايتان معًا هو منطقٌ حداثي يعمل من الداخل، ويستقر داخل مؤسساته وأدواته. الظهور، والفهم، والتصنيف تتحول إلى شروطٍ أساسيةٍ للوجود داخل هذا النظام. وفي بعض الحالات، يكون
من انسحاب شركات دفاعية إلى إعادة تموضع القيادات السنية، كيف تتحول التباينات السعودية–الإماراتية إلى عاملٍ صامت في معادلات الانتخابات النيابية اللبنانية المقبلة؟ لم يعد الخليج كتلةً سياسيةً صلبة كما جرى تقديمه طوال العقدين الماضيين. فالتباينات بين الرياض وأبوظبي، التي بدأت همسًا في ملفات الطاقة وحصص النفط، أخذت تتمدد تدريجيًا نحو ساحات أكثر حساسية: الجيوسياسة، الأمن، التجارة، وحتى الصناعات الدفاعية. ولم يكن انسحاب شركات إماراتية من معرض عسكري بارز في السعودية حدثًا اقتصاديًا عابرًا بقدر ما شكّل إشارةً سياسيةً مضمرة إلى مرحلة يعاد فيها ترتيب النفوذ داخل المنظومة الخليجية.ورغم الغياب المتعمّد للتصريحات الرسمية، فإن تراكم المؤشرات يوحي بأن المصالح الوطنية باتت تتقدّم على منطق التحالف التقليدي. وفي الشرق الأوسط، نادرًا ما تبقى التحولات الكبرى محصورة داخل جغرافيتها؛ إذ سرعان ما تتحول إلى موجات ارتدادية تضرب الساحات الأكثر هشاشة — ولبنان في مقدمتها. الجيوسياسة تتسلل إلى الماللطالما شكّل الترابط الاقتصادي بين السعودية والإمارات، الذي تتجاوز قيمته 30 مليار دولار سنويًا، صمّام أمان للاستثمارات والتجارة العابرة للحدود. لكن حين تدخل السياسة إلى مجال الأعمال، يتحول الاستقرار إلى حذر، وتصبح قرارات رأس المال محكومة بحسابات المخاطر لا بعوائد الأرباح فقط.بالنسبة للبنان، المسألة أبعد من أرقام في دفاتر الاقتصاد. بلدٌ يقوم جزء كبير من توازنه المالي على التحويلات والاستثمارات الخليجية لا يستطيع تجاهل ارتعاش المزاج الاقتصادي في تلك العواصم. وعندما يتردد رأس المال، تتحول الحملات الانتخابية إلى رهينة الخارج، ويغدو التمويل عنصرًا خفيًا في رسم التحالفات وصناعة اللوائح. قد يضع اللبناني صوته في الصندوق… بينما تكون المعادلة قد وُضعت سلفًا خارجه سعد الحريري بين عاصمتين إقامة سعد الحريري في أبوظبي، بعد سنوات ارتبط فيها اسمه بالمظلة السعودية، ليست تفصيلًا شخصيًا ولا مجرد خيارٍ معيشي. إنها، في السياسة، مؤشر جغرافي على تحوّل أعمق في خرائط الرعاية الإقليمية للقيادات اللبنانية. فالزعيم الذي اعتُبر طويلًا امتدادًا للنفوذ السعودي يجد نفسه اليوم ضمن فضاء إماراتي أكثر براغماتية وأقل أيديولوجية. وهذا الانتقال، حتى وإن لم يُعلن، يفتح الباب أمام إعادة تعريف موقعه السياسي وحدود حركته الانتخابية. في لبنان، حيث تتشابك السياسة بالتمويل وتُقرأ الجغرافيا بوصفها موقفًا، قد يعني انتقال مركز الثقل لزعيم سني بارز أكثر من مجرد تغيير عنوان؛ قد يعني تبدلًا في طبيعة الدعم، وفي شبكة العلاقات، وربما في شكل التوازنات التي تسبق أي استحقاق نيابي. الانتخابات مرآة للتصدعات لم تكن الانتخابات اللبنانية يومًا منافسة داخلية خالصة، بل مرآة دقيقة لموازين القوى الإقليمية. ومع اتساع المسافة — ولو النسبيّة — بين الرياض وأبوظبي، قد يجد لبنان نفسه أمام مشهد غير مألوف: دعم غير متطابق، رسائل سياسية متعددة الاتجاهات، وربما منافسة ناعمة على النفوذ داخل البيئة السنية. هذا التعدد في الرعايات قد يفتح المجال أمام قوى جديدة لإعادة التموضع، أو يدفع شخصيات تقليدية إلى رفع منسوب استقلاليتها الخطابية، في محاولة لاستثمار الشروخ الخليجية بدل الارتهان لمحور واحد. ذاكرة الحصار لا يزال حصار قطر عام 2017 حاضرًا في ذاكرة الأسواق. يومها، اضطرت شركات وبنوك إلى الاصطفاف، لا وفق مصالحها الاقتصادية، بل تبعًا لخرائط الانقسام السياسي. واليوم، ومع تصاعد التباين بين أكبر اقتصادين خليجيين، تعود المخاوف — ولو بدرجة أقل حدّة — من سيناريوهات مشابهة. بالنسبة للبنان، أي اضطراب في شبكة العلاقات الخليجية لا يبقى خارج حدوده. فهو ينعكس مباشرة على القدرة التمويلية للأحزاب، وعلى حجم الإنفاق الانتخابي، وعلى التوازنات التي ستتشكل داخل البرلمان المقبل. المفارقة أن هذه التحولات تأتي فيما يقف لبنان أصلًا على أرض رخوة: أزمة اقتصادية خانقة، شلل سياسي مزمن، ومؤسسات تكافح للبقاء. في مثل هذا الواقع، يصبح البلد أكثر قابلية للتأثر بأي ريح إقليمية. نهاية الراعي الواحد؟مع تراجع فكرة “الراعي الخليجي الواحد”، قد يدخل لبنان مرحلة تعدد المراكز المؤثرة، حيث لا صوت إقليميًا واحدًا بل عدة أصوات، ولا رؤية واحدة للاستقرار بل مقاربات متنافسة له.هذا الواقع قد يفرض على القوى اللبنانية إعادة كتابة خطابها الانتخابي، ليس فقط على إيقاع الانقسامات الداخلية، بل أيضًا وفق خريطة خليجية يعاد رسمها بهدوء. لا يمكن فصل المشهد الانتخابي اللبناني عن التحولات الجارية في الخليج. فالتباين السعودي–الإماراتي، حتى لو بقي ضمن سقف المنافسة الاستراتيجية، يمتلك القدرة على إعادة ترتيب أولويات التمويل، وتعديل مسارات التحالفات، وتبديل نبرة الرسائل السياسية.قد تبدو إقامة سعد الحريري في أبوظبي تفصيلًا جغرافيًا عابرًا، لكنها قد تتحول، في القراءة الأعمق، إلى عنوان لمرحلة تتشظى فيها مراكز النفوذ وتتعدد فيها الرعايات. أخطر ما في التحولات الإقليمية ليس ضجيجها، بل قدرتها على التسلل بهدوء عندما تُفتح صناديق الاقتراع في بيروت، قد يكتشف الناخبون أن جزءًا من نتائجهم لم يُصنع في الأزقة الانتخابية ولا في المناظرات المحلية، بل كُتب بهدوء خارج الحدود — بين عاصمتين خليجيتين لا تعيدان فقط رسم خرائط القوة في المنطقة، بل قد تعيدان، من حيث لا يبدو، تشكيل التوازن السياسي في لبنان نفسه.