لم تكن الاشتباكات التي اندلعت في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في حلب مجرّد حادث أمني عابر، ولا تفلّتًا موضعيًا قابلاً للاحتواء السريع. ما جرى شكّل صدمة سياسية وأمنية أعادت طرح السؤال الأخطر في سوريا اليوم:هل انتهت الحرب فعلًا، أم أنها غيّرت أدواتها فقط؟ في مدينة يفترض أنها خرجت من دائرة الصراع منذ سنوات، عاد الرصاص ليُذكّر بأن التسويات المؤجلة لا تموت، بل تنتظر لحظة الانفجار. لحظة حلب جاءت في توقيت بالغ الحساسية، داخليًا وإقليميًا، لتكشف أن ما بعد الحرب لم يُحسم بعد. اتفاقات هشّة لم تُكتب منذ سيطرة الدولة السورية على حلب، نشأ وضع استثنائي في بعض أحيائها الشمالية، حيث حافظت قوات سوريا الديمقراطية على وجود مسلح وإدارة أمنية شبه مستقلة، بترتيبات غير معلنة، أقرب إلى هدنة طويلة الأمد منها إلى اتفاق سياسي واضح. هذه الترتيبات قامت على مبدأ بسيط، تجنّب الصدام… وتأجيل الحسم. لكن التأجيل، في السياسة، غالبًا ما يكون قنبلة موقوتة. لم تُحسم مسألة، من يدير الأمن؟ من يفرض القانون؟ ومن يملك قرار السلم والحرب داخل مدينة مركزية؟ ومع تراكم الاحتكاكات، وتبدّل موازين القوى، كان التصعيد مسألة وقت لا أكثر. جوهر الصراع لا يكمن في حادث ميداني أو حاجز أمني، بل في تناقض بنيوي بين مشروعين: الدولة السورية التي تسعى إلى استعادة سيادتها الكاملة وتوحيد السلاح تحت مؤسسة واحدة. قسد التي ترى في سلاحها ورقة وجود وضمانة سياسية في أي تسوية مستقبلية. هذا التناقض لم يُعالَج سياسيًا، بل جرى الالتفاف عليه بتفاهمات أمنية مؤقتة. ومع تغيّر السياق الإقليمي والدولي، بدأ هذا الالتفاف يتآكل، لتعود لغة القوة كبديل عن لغة التفاوض. لماذا الآن؟ اندلاع الاشتباكات في هذا التوقيت ليس تفصيلًا عابرًا. هناك ثلاثة عوامل تفسّر لحظة الانفجار: أولًا: مرحلة ما بعد المعارك الكبرى. الدولة السورية تنتقل تدريجيًا من منطق إدارة الحرب إلى منطق تثبيت الدولة، وهذا يفرض إعادة النظر في كل الجيوب الخارجة عن السيطرة المباشرة. ثانيًا: تراجع منسوب الضمانات الدولية. التحولات في أولويات القوى الدولية قلّصت هامش المناورة أمام القوى المحلية، ودفعت باتجاه اختبارات قوة على الأرض بدل الاتكال على الحماية السياسية. ثالثًا: صراع الرسائل. الاشتباك في حلب لم يكن موجّهًا للطرف المقابل فقط، بل حمل رسائل أبعد، رسائل إقليمية، ورسائل تفاوضية، ورسائل داخلية حول من يفرض الإيقاع كالعادة، لم يكن المدنيون طرفًا في القرار، لكنهم كانوا الضحية الأولى. الاشتباكات داخل أحياء مكتظة بالسكان حوّلت البيوت إلى خطوط تماس، وأعادت مشاهد النزوح، الخوف، وتعطّل الحياة اليومية. هل أخطأت قسد الحساب؟ سياسيًا، وجدت «قسد» نفسها أمام معادلة صعبة. التمسك بالوجود المسلح داخل مدينة كبرى، أو القبول بتنازلات تدريجية قد تُفقدها أوراق قوة لاحقًا. لكن الاشتباك في حلب قد يكون مجازفة عالية الكلفة. فالدولة تمتلك عامل النفس الطويل، بينما أي خسارة ميدانية أو سياسية داخل مدينة مركزية قد تُستخدم لتقليص هامش الحركة مستقبلًا. في المقابل، ترى قسد أن التراجع دون ضمانات مكتوبة يعني تفكيك نفوذها خطوة خطوة. من جهتها، تعاملت دمشق مع ما جرى باعتباره اختبارًا لهيبة الدولة. السماح ببقاء سلاح خارج السيطرة في مدينة بحجم حلب يعني ترسيخ نموذج قابل للتكرار، وهو ما تعتبره الدولة خطرًا استراتيجيًا على المدى الطويل. بمعنى آخر، الاشتباكات لم تكن فقط ردًّا أمنيًا، بل إعلان نوايا: مرحلة إدارة الاستثناءات تقترب من نهايتها. هل نحن أمام تسوية أم مواجهة مؤجلة؟ التهدئات التي تلت الاشتباكات قد توحي بعودة الهدوء، لكنها في الواقع هدوء مشروط. فمن دون معالجة جذرية لملف، السلاح، الإدارة، والشرعية الأمنية، سيبقى الصدام احتمالًا قائمًا، سواء في حلب أو غيرها. حلب مرآة سوريا القادمة ما جرى في حلب ليس معركة أحياء، بل بروفة سياسية لما هو آتٍ. إما: تسوية شاملة تعيد تعريف العلاقة بين الدولة وكل القوى المسلحة أو استمرار منطق الاشتثناءات، بما يحمله من انفجارات دورية حلب اليوم ليست فقط مدينة تحت النار، بل سؤال مفتوح عن شكل الدولة السورية في المرحلة المقبلة: دولة واحدة بسلاح واحد؟ أم خرائط نفوذ مؤجلة تنفجر كلما تغيّر الميزان؟
قبلَ أيّامٍ، انتشرَ تسريبٌ مُصوَّرٌ لمحادثةٍ تعودُ لشخصيّةٍ أمنيّةٍ سوريّةٍ كانت جزءًا من النظامِ السابقِ الذي سقطَ سياسيًّا وأخلاقيًّا وإنسانيًّا، ويُفترضُ أنّه أصبحَ من الماضي. في التسجيل، يظهرُ الرجلُ وهو يُهاجمُ “المقاومة” لفظيًّا، ويطلبُ مساعدةً وتبادلَ معلوماتٍ استخباراتيّةٍ مع جهةٍ تبيَّنَ لاحقًا أنّها تنتحلُ صفةَ ضابطٍ إسرائيليّ المشهدُ بحدّ ذاته فاضح، لكنّه لم يكن الأخطر. الأخطرُ كان الاحتفالَ العلنيّ بهذا السلوك من قبلِ شرائحَ سياسيّةٍ وشعبيّةٍ، وكأنّ الانتماءَ السابقَ للنظامِ الساقطِ لم يعد تهمةً، بل مجرّدَ تفصيلٍ قابلٍ للمحوِ متى تغيّرَ موقعُ الخصومة. التسريبُ يتحوّلُ إلى بروفة لم تمضِ أيّامٌ حتّى خرجَ إلى العلنِ خبرٌ عن تفاهمٍ دوليٍّ شاركت فيه سوريا وإسرائيل والولايات المتّحدة، يقضي بإنشاءِ آليّةِ اتصالٍ لتبادلِ المعلوماتِ الاستخباراتيّة تحتَ عنوانِ “خفضِ التّصعيد”، وبرعايةٍ أميركيّةٍ مباشرة. فجأةً، ما كان يُصنَّفُ خيانةً عندما صدرَ عن شخصٍ محسوبٍ على نظامٍ منبوذ، صار ممارسةً سياسيّةً “واقعيّةً” عندما دخلَ في إطارِ تفاهمٍ دوليّ. المفارقةُ ليست في مضمونِ الاتّفاقِ وحده، بل في سرعةِ الانتقالِ من الإدانةِ إلى التطبيعِ السياسيّ للفكرةِ نفسها. وكأنّ المشكلةَ لم تكن يومًا في مبدأِ تبادلِ المعلوماتِ مع العدوّ، بل فقط في هويّةِ من يقومُ به وتوقيتهِ الإعلاميّ. الخطابُ الرسميّ يتحدّثُ عن “خفضِ التّصعيد”، لكنّ التجربةَ الإقليميّةَ تُعلّمُنا أنّ هذا المصطلحَ غالبًا ما يكونُ غطاءً لتفاهماتٍ أعمقَ تتعلّقُ بالأمنِ، والسلاحِ، وحركةِ الفاعلين غير المرغوب فيهم.ليس السؤالُ هنا ساخرًا، بل سياسيًّا بامتياز: هل نحنُ أمامَ تبادلٍ تقنيٍّ بريء، أم أمامَ إعادةِ رسمٍ لخرائطِ النفوذِ وضبطِ الساحات، خصوصًا تلكَ المرتبطةَ بفلسطين وما تبقّى من هوامشِ دعمها؟تجاهلُ هذا السؤالِ ليس سذاجةً، بل خيارٌ متعمَّدٌ لإبقاءِ الرأيِ العامّ خارجَ المعادلة. الأخطرُ من السياسةِ نفسها هو استدعاءُ الدينِ لتغطيةِ هذا التحوّل. إطلاقُ اللحية، رفعُ الشعاراتِ الدينيّة، والإكثارُ من الخطابِ الوعظيّ لا يحوّلُ الصفقاتِ السياسيّةَ إلى أفعالٍ أخلاقيّة من “خيانة” إلى “حنكة” الأمرُ الأكثرُ فجاجةً هو الازدواجيّةُ الصارخةُ في الخطاب. عندما عبّرَ معارضون سابقون عن قناعاتٍ مشابهة، أو لمّحوا إلى استحالةِ الاستمرارِ في منطقِ العداءِ المفتوح، جرى تخوينُهم وتحويلُهم إلى عبرة. اليوم، تُقدَّمُ الأفكارُ ذاتُها بوصفها دهاةً سياسيّة، وحكمةَ دولة، وخطوةً ضروريّةً “لحمايةِ البلاد”. المعيارُ لم يكن يومًا أخلاقيًّا أو وطنيًّا، بل سلطويًّا بحتًا: من هو داخلَ السلطةِ يُبرَّرُ له كلُّ شيء، ومن هو خارجَها يُدانُ حتّى لو قالَ الحقيقةَ ذاتَها. الدينُ كأداةِ تبرير الأخطرُ من السياسةِ نفسها هو استدعاءُ الدينِ لتغطيةِ هذا التحوّل. إطلاقُ اللحية، رفعُ الشعاراتِ الدينيّة، والإكثارُ من الخطابِ الوعظيّ لا يحوّلُ الصفقاتِ السياسيّةَ إلى أفعالٍ أخلاقيّة. استخدامُ الدينِ كدرعٍ يمنحُ قداسةً زائفةً للقرارات لا يحمي الدولة، بل يدمّرُ المعنى الأخلاقيّ للدينِ نفسه. حينَ يصبحُ التقاربُ مع القوى الدوليّة والإقليميّة “ضرورةً شرعيّةً”، بينما يُجرَّمُ النقدُ بوصفه خروجًا عن الجماعةِ أو خيانةً، نكونُ أمامَ تديينٍ للسياسةِ لا علاقةَ له بالقيم، بل بالضبطِ والسيطرةِ وإسكاتِ الأصواتِ المخالِفة. الشرعيّةُ الحقيقيّةُ لا تمرّ عبرَ السماءِ وحدها في واقعِ المنطقة، بات واضحًا أنّ من يريدُ الحفاظَ على الحكم، سواء جاءَ عبرَ السلاحِ أو الانتخاباتِ أو الأمرِ الواقع، لا يملكُ ترفَ تجاهلِ واشنطن أو تل أبيب. هذه حقيقةٌ سياسيّةٌ لا تحتاجُ إلى إنكار. لكن تحويلَها إلى “مبدأ”، وتسويقَها كخيارٍ أخلاقيٍّ أو دينيّ، هو الاحتيالُ الحقيقيّ.الشرعيّةُ لا تُبنى على النفاق، ولا على تقسيمِ الناسِ إلى “سحيجة” و”خونة” بحسبِ المصلحة، بل على وضوحِ الموقفِ واستعدادهِ لتحمّلِ كلفته. سقوطُ الأقنعةِ أسرعُ من سقوطِ الأنظمة في وقتٍ لم تجفّ فيه دماءُ غزّة، ولم تُرفعْ فيه الأنقاضُ عن أجسادِ الضحايا، يبدو الحديثُ عن تنسيقٍ أمنيٍّ وتبادلِ معلوماتٍ بلا أيّ حساسيّةٍ أخلاقيّة، انفصالًا كاملًا عن الواقع. ليس المطلوبُ خطاباتٍ عاطفيّة، بل الحدّ الأدنى من الصدق: الاعترافُ بأنّ ما يجري هو سياسةُ مصالح، لا بطولة، ولا مقاومة، ولا فتحٌ مبين. ما نراهُ اليومَ ليس ولادةَ نظامٍ أخلاقيٍّ جديد، بل إعادةُ تدويرٍ قديمةٍ لخطابِ السلطة، مع وجوهٍ وشعاراتٍ مختلفة. النظامُ السابقُ سقط، لكن أدواتِه في التبريرِ والتخوينِ واستخدامِ المقدّس ما زالت حيّة. السياسة التي تحتاج إلى السماء لتبرير نفسها، تعترف ضمنًا بفشلها على الأرض. وحين يُستدعى المقدّس لحماية الصفقة، فهذا لأنّ الحقيقة لم تعد قادرة على الوقوف وحدها. في النهاية، لا يبقى من “خفض التصعيد” سوى اسمه، أمّا ما يُخفَّض فعليًّا، فهو سقف الأخلاق.
رئيس الحكومة نواف سلام في موقف محطة المر، وفي استقباله صاحب المحطة ميشال المر ومقدم البرامج مارسيل غانم والاعلاميين رياض طوق وصالح المشنوق، تحضيراً لحلقة برنامج “صار الوقت”.